⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن هذه الآية الكريمة عُدَّت من أجمع خصال الخير في كتاب الله عز وجل، وهي تبدأ بتوجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته من بعده إلى أخذ العفو، ثم إلى الأمر بالعرف، ثم إلى الإعراض عن الجاهلين.
ومعنى أخذ العفو: أي السهل اليسير الذي لا كلفة فيه ولا حرج ولا مشقة؛ فقد وُجِّه رسول الله صلى الله عليه وسلم من رب العزة والجلال إلى أن يقبل من العباد ما تيسَّر منهم من أعمال وطاعة دون كلفة ولا تَعَنُّت ولا حرج ولا حملٍ لهم على ما يشقُّ عليهم.
وحملت طائفة من المفسرين هذه الجملة القرآنية على أن المقصود بها الإنفاق، نعم، إلا أن المعنى أوسع؛ فهو يشمل الإنفاق وأعمال الطاعات وصنوف البر، وكل ما يمكن أن يتقرب به إلى الله تبارك وتعالى، كما يشمل أنواع المعاملات؛ إذ من المعلوم أن روح هذا الدين تقوم على اليسر والتبشير، ورفع الحرج والعَنَت عن الناس، نعم، هذا هو الشق الأول.
ثم قال: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾، والعرف هو ما تستحسنه العقول السليمة والطباع الموافقة للفطرة، فهو الجذر للمعروف في كتاب الله عز وجل؛ ولذلك فإن أكثر المفسرين حملوا معنى العرف على المعروف، نعم، والمعروف هو ما تُقِرُّه الطباع الحسنة والعقول السليمة من أمر الشرع ومن أعراف الناس وعاداتهم.
فإن كان أصل هذه الأمور كلها مبنيًّا على المعروف، فإن ذلك هو المأمور به، فكل ما كان على خلاف المعروف من الفساد والمنكر والغي والضلال والغواية فهو لا شك منهيٌّ عنه، بعيد عن معنى هذه الآية الكريمة؛ لأن الآية أمرت بالأمر بالعرف: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾، نعم.
ثم قال: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، والمقصود بالجاهلين هم السفهاء الذين لا أخلاق لهم ولا دين؛ فهؤلاء يكون الإعراض عنهم بحسب ما يُقدَر منهم؛ فمن كان إعراضه لا يُورِث أذًى فإن الإعراض عنه لا شك يكون أيسر من الإعراض عمَّن يُلحِق أذًى بالمسلمين أو بالدين.
فالْإِعْرَاضُ في حالة إغلاظِ السَّفاهة والجهالة على الدين وعلى أهله إنما يكون بمقارعتهم بالحجة، وبدفع صولتهم، وبردِّ عدوانهم؛ أما إذا كان ذلك بالسَّفاهات كأقوال الجاهلين فإن ديننا أمرنا بالإعراض عن اللغو، والبعد عن السَّفاهة، وعدم الانسياق وراء أهل السَّفاهة والجهالة لا في أحاديثهم، ولا في مجالسهم، ولا في اهتماماتهم، وهذا كان شأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو ما وُصِف به أيضًا ربُّنا جل وعلا المؤمنين: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾، و﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾، فكل هذه إنما هي من الإعراض عن الجاهلين.
الآن لا يلزم من هذا الترتيب، من هذا الجمع بحرف العطف: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ أن يكون المقصود هو التدرج في معاملة الآخرين بناءً على هذه المراتب، لا، نعم، هي مجموع خصال يتحلى بها المسلم، عليه أن يعامل الناس بها بحسب ما يستدعيه الموقف؛ فلا يعني حينما يكون آخذًا بالعفو أنه في ذلك الوقت منغمس مع الجاهلين، أو أن يكون بعيدًا عن الأمر بالمعروف، نعم، وإنما هي خلالٌ مجتمعة يتحلى بها المسلم، ينبغي لنا أن نفهم هذا المعنى، نعم.
قد توجد من الأحوال ما يحتاج فيها –أكثر ما يكون احتياجه أظهر– إلى قبول ما يتيسر، قبول ما هو قريب المأخذ من الناس، أن يكون في غنى عن إعانتهم أو عن لَذِّهم إلى أضيق الظروف وإلى ما يمكن أن ينفِّرهم عن هذا الدين؛ ولذلك كثيرًا ما اقترن هذا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا»، نعم.
وقد يكون في موقف آخر هو أحوج ما يكون إلى أن يحمل الناس إلى مستوى أعلى من مجرد إقرارهم على ما يتيسر منهم، لأنه يريد لهم ما هو أكمل وأفضل، فيحملهم على المعروف، نعم.
فهذا ما يتعلق بهذه الآية الكريمة إجمالًا.
والله تعالى أعلم.