⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
اما بعد فان معنى هذه الايه الكريمه من حيث سياقها الذي وردت فيه هو تبكيت للمشركين وترهيب لهم، اولئك الذين اعرضوا عن قبول دعوه الحق التي جاء بها نبينا محمد صلى الله عليه واله وسلم، وانحرفوا عن الصراط المستقيم، فاصابهم ما اصابهم من الجذب والشده واللأواء، فان الله تبارك وتعالى يبين لهؤلاء ان هذا الذي اصابهم انما هو بما كسبت ايديهم، وانه مع ما يجدونه من شده يراد منها تذكيرهم فان الله تبارك وتعالى قد تجاوز عن الكثير مما صدر منهم.
ولئن صدق هذا المعنى في حق اولئك المخاطبين فهو ايضا صحيح صادق في حق عموم المكلفين، نعم، لكنه لا على جهه الحصر؛ بمعنى ان الذي يصاب به المكلف، مطيعا كان لله تبارك وتعالى او عاصيا، فان من نواميسه انه مما اقترفت يده، لكن ذلك لا يعني ان كل الذي يصيبه انما هو ناشئ عما كسبت الايدي، نعم، فان الله تبارك وتعالى قد بين في كتابه الكريم في مواضع عديده انه جل وعلا يبتلي العباد ابتداء، اي يبتليهم بالسراء والضراء: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: 35]، وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2].
فالله تبارك وتعالى ينوع على عباده صنوف الابتلاءات ليرفع درجاتهم، وليطهر ايمانهم، وليزيدهم قربا منه سبحانه وتعالى، وليظهر عظيم خصالهم وجميل فضائلهم، وسر اصطفائه لهم سبحانه وتعالى ان جعلهم من عباده المقربين، وان يقيم على سائر عباده الحجه بما يبتلي به هؤلاء العباد؛ فيظهر هرعهم لربهم تبارك وتعالى، الصبر والثبات والاستقامه ومداومه طاعته في السراء والضراء وفي الشده والرخاء، فان ذلك ايضا من حكم الله عز وجل في الابتلاء.
ويخطئ من يظن بان الابتلاء محصور فيما يكتبه الله تبارك وتعالى لعباده بما كسبت ايديهم، ويخطئ ايضا من ينفي هذا السبب في ان يكون مما يصاب به العباد انما هو مما قارفته ايديهم ومن انحرافهم عن طاعه الله تبارك وتعالى وزيغهم واتباعهم لطرق الغوايه والضلال، وانما المنهج الحق الراشد هو ان الله تبارك وتعالى ينوع على عباده الابتلاءات؛ نعم يبتليهم محض ابتداء تمحيصا لهم وتطهيرا ورفعا لدرجاتهم، كما انه جل وعلا يكتب عليهم بعض ما كسبته ايديهم وما قارفوه مما انحرفوا فيه عن الصراط المستقيم ومما جانبوا فيه الصواب، نعم.
فليس من الصواب، وهذا ينفي كثيرا من الشبهات والاقاويل الدائره في هذا الموضوع، تشهد لهذا ايات كثيره في كتاب الله عز وجل وفي سنه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم؛ اذ لا يسوغ ان يقال بان كل ما يصيب العباد انما هو مما اقترفته ايديهم، ونحن نعرف ان صفوه الخلق المعصومين، الانبياء والرسل عليهم الصلاه والسلام، قد اصابهم الله وابتلاهم بما ابتلاهم به، نعم، كما انه لا يسوغ ايضا ان ينفى ان يكون ما تقترفه ايدي العباد مما يسخط الله تبارك وتعالى لا اثر له فيما يبعثه الله عز وجل على عباده تذكيرا لهم وترغيبا وترهيبا، نعم. هذا موجود وذلك موجود.
وينبغي للمسلم دائما ان يتهم نفسه بالتقصير؛ فاذا اصابه شيء فانه يبتغي رضوان الله عز وجل بالصبر والثبات واحتساب الاجر، كما انه يمحص نفسه ليتوب مما عسى ان تكون قد زلت به القدم، ولا يزكي نفسه بالتالي على الله تبارك وتعالى او بتزكيه نفسه من ان تكون قد قصرت او وقعت في شيء من الخلل او الخطأ او التقصير، بل عليه دائما ان يتهم نفسه دون ان يدفعه ذلك الى الوقوع في اليأس والقنوط، كما ان رجاءه لما عند الله عز وجل وتحريه لما يكتب له من السراء والضراء وما يمتحن به، فان ذلك لا ينبغي ايضا ان يدفعه الى الركون وترك الحذر من هذه البلايا التي يمكن ان يصاب بها وان يمتحن بها في هذه الحياه الدنيا.