⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لنقرِّر الأصول الشرعية أولًا: لا يوجد ما يمنع شرعًا من أن يسترضع الأبوان لطفلهما أو لطفلهما، أي أن يطلبوا أمًّا مرضِعًا إن كانت الأم غير قادرة على الرضاع، أو أن هناك علّة تمنعها من الرضاع، فلا مانع بنص كتاب الله عز وجل؛ فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 233].
فهذا الأمر من حيث ذات طلبِ امرأةٍ أجنبيةٍ لترضعَ الطفلَ أسرةً ما ليس فيه مانعٌ شرعي، وإنما يُنظَر في الآثار المترتبة على هذا الرضاع؛ لأن الرضاع عندنا يرتّب أحكامًا شرعية في العلاقة بين الرضيع وبين المرأة المرضعة وأسرتها، ولم يكن في الشرع، لم تكن هذه الآثار مانعةً من أن يطلب الآباء، أو أن يطلب الوالدان المرضِعاتَ لأولادهم.
وإنما المحظور في عالم اليوم هو أن يحصل شيء من الاختلاط، أو أن يقع خطأ فتغيب الأحكام الشرعية المترتبة على هذا الرضاع، لا تُدرى، تُطوَى أو يُغفَل عنها، صحيح.
أمّا إذا وُجِدت الوسيلة الكفيلة بضبط عملية الرضاع؛ اللبنُ يعود لأيِّ امرأةٍ مرضع، وأيُّ طفلٍ أخذ ذلك اللبن، بحيث تُرتَّب الأحكامُ الشرعية على هذه الرضاعة، فهذا حينئذٍ لن يكون فيه إشكال؛ لأن أصل الأمر مباح، وهو طلب الوالِدَيْن من امرأة أجنبية أن ترضع لهما أولادَهما أو بعضَ أولادهما، بشرط معرفة المرضِع.
من الأمور الواردة هنا أن هناك أمراضًا وأحوالًا صحية تصيب الأطفال أو المواليد الجدد لا يصلح لها إلا لبن الأمهات، وهذا ثابت علميًا، والحقيقة أنه أولى، حتى لو وجد البديل الصناعي فهو أولى؛ لأنه أفضل صحةً وعلاجًا لهؤلاء الأطفال من الحليب الصناعي، نعم.
فإذًا لا مانع هنا، هذه علّة أخرى تؤكّد الحاجة إلى هذا الاتجاه، جميل؛ لكن لابد من وجود الضوابط الدقيقة الكفيلة بحفظ هذه الأحكام الشرعية.
فما ذُكِر في السؤال من أمر مزج هذه الألبان من أمهات شتّى هذا غير مقبول شرعًا؛ أمّا أن يكون لأمْرأةٍ مخصوصة ويذهب لبنُها لأطفالٍ مخصوصين فلا مانع منه، شريطة أن يُدوَّن وأن يُوثَّق، ثم ستسري كل أحكام الرضاع على هذه العلاقة، نعم.
وسواء كان ذلك بأجرةٍ - وهذا جائز بنص آية البقرة المتقدّمة - أو كان ذلك بتطوّع فهذا فعل حسن، هذا جائز؛ يعني مسألة دفع الأجرة لا إشكال فيها أيضًا، هي خارجة تمامًا عمّا إن كان قد اشتبه لدى السائل أو الباحثين ما يتعلق بالتبرع بالأعضاء؛ فهذا شيء مختلف تمامًا؛ لدلالة النص الشرعي على جوازه، ولأنه أيضًا عُهِد فعلُه وممارستُه في قرون الإسلام الأولى.
فمن حيث جواز دفع الأجرة لا إشكال، وإنما الإشكال فقط يتعلّق في الخشية من اختلاط الألبان وغيابِ دقّةٍ وضبطِ العلاقات بين الأمهات والأطفال الذين أخذوا اللبن؛ هذا هو المحظور.
إذا وُجِدت وسيلة أو وُجِدت وسائل ضابطةٌ دقيقةٌ محكمة ففي هذه الحالة لا إشكال، بل يعني دينُنا وفقهُنا يسمح بمثل هذا الفعل.
ولذلك مسألةُ أن يُسمّى «بنك الألبان» أو «بنك اللبن» قد يكون فيها شيء من الامتحان للطرفين؛ وأيضًا في الغالب لأن البنوك يُجمَع فيها الأموال، فهو يعطي هذه الدلالة، دلالةَ أن هذه الألبان ستُجمَع.
لكن لو وُجِد - نحن لا نتحدّث الآن؛ ليست العبرة بالأسماء، العبرة بالحقائق والمعاني - فإذا ضُبطت هذه الحقائق والمعاني بحيث - كما تقدّم - مُنِع، سُدَّت ذرائعُ اختلاط هذه الألبان أو غيابُ توثيقِ اللبن يعود لمَن، من صاحبة اللبن، ومَن الذي أخذه، بوسائل ثابتةٍ واضحةٍ ظاهرة، يُخبَر عنها الأطرافُ ذوُ العلاقة؛ فلا إشكال حينئذ؛ تكون قاعدة بيانات.
بقي فقط الالتفات إلى أن المرأة إذا كانت صاحبةَ بعلٍ فعليها أن تستأذن زوجَها، إلى آخر الأحكام الشرعية المحتفّة بالمعهود من فقه الرضاع.
والله تعالى أعلم.