⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وانشر علينا أبواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم إنك أنت العزيز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم، أما بعد.
فالجواب: أن في المسألة تفصيلًا.
فإن كان العلم الذي يطلبه علمًا واجبًا يحتاج إليه في إيمانه بالله تبارك وتعالى، وفي عبادته له سبحانه، فهنا لا حاجة إلى إذن أصلًا، لأنه يطلب علمًا واجبًا عليه، وطلبه للعلم في هذه الحالة فريضة، فلا يملك أحد من الناس أن يمنعه عن أداء هذه الفريضة، لكي يتمكن من بعد من عبادة الله تبارك وتعالى على بينة، وحتى ينفي عن نفسه الجهل.
هذا النوع الأول من العلم، وهو العلم الواجب الذي يحتاج إليه المكلَّف ليعبد الله تبارك وتعالى، ويؤدي ما افترضه عليه، ويكف عما حرَّمه عليه، هذا لا يحتاج إلى إذن من أحد، بل عليه أن يسعى إليه، وأن يطلبه بالسبل المتاحة قدر استطاعته.
وأما ما سوى ذلك من العلم، وهو الذي يندرج ما هو مندوب إليه، ففي المسألة خلاف، لكن الذي يطالع الأدلة الشرعية من كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الحاثة على طلب العلم، المبيِّنة لمنزلة العلم والعلماء، وفضل السعي إلى طلب العلم، حتى إن رسول الله عليه السلام يقول: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب»، ويقول: «العلم زين لأهله في الدنيا والآخرة»؛ فهذه الأدلة الشرعية التي أنزلت العلم والعلماء هذه المنزلة الرفيعة العالية، تجعل طلب العلم أمرًا محمودًا مندوبًا إليه.
وبناءً على ذلك، فإنه إن تعارض مع منع الوالدين أو أحدهما للولد دون سبب معتبر شرعًا –وسنبيِّن السبب– فإن هذا ليس من الطاعة، لأنهما يمنعانه عن بِرٍّ ومعروف، عملٍ صالحٍ أعلنته هذه الشريعة، ورفعت مكانته، فليس من العقوق أن يخالف أمر والده أو أمر أمه في سعيه لطلب العلم دون رضاٍ منه أو منهما، لما تقدَّم من بيان منزلة العلم، ونصوص العلماء صريحة في هذا الباب.
وإنما هناك بعض الأحوال المستثناة: كأن يكون الوالدان أو أحدهما بحاجة إلى خدمته لهما، ولا يجدان غيره، أو إلى أن يسعى غيره، ولا يتمكَّنان من الكفاف به في معيشتهما، هذه الأحوال فإنها تُراعى.
أما إن كان ذلك من باب التعنُّت –كما يظهر من السؤال– فلا طاعة لهما في هذا الباب.
لكن مع ذلك ينبغي له أن يصلح ما بينه وبين والديه، وإن كان الذي يمنعه هو أباه فليُصلح ما بينه وبين أبيه قدر استطاعته، فليحرص على أن يتودَّد إليه، وأن يبيِّن له محاسن ما هو ساعٍ فيه من طلب العلم، وأن يأخذه بالحكمة والموعظة الحسنة، لكن إن وصل الأمر إلى أنه يُحرَج عليه، ويُضيَّق عليه دون سبب معتبر شرعًا كالأمثلة التي تقدَّم ذكرها، فلا طاعة له في هذه الحالة.
والله تعالى أعلم.