⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن الخلاصة في معنى قول الله تبارك وتعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 106] أن المقصود من ذلك الآيات والحجج والبراهين والشواهد التي يؤيد الله تبارك وتعالى بها أنبياءه ورسله لإثبات صدق نبوتهم وصدق ما أرسلوا به إلى أقوامهم.
فالله عز وجل إما أن يؤيد هؤلاء الأنبياء والرسل بمعجزات، بآيات وحجج وبراهين ينصبها أدلة وشواهد على صدق ما يدعون إليه أقوامهم، فيثبت تلك البراهين والحجج بقدرته سبحانه وتعالى، أو أن يزيلها ويأتي بخير منها أو بمثلها، أو أن يُرجِئ – وهذا معنى «نُنْسِهَا» – إلى أمد آخر، فيؤيد بها نبيًّا أو رسولًا لآخرين في زمان آخر أو في مكان آخر.
والسياق القرآني يؤكد هذا المعنى ويدل عليه؛ فالله تبارك وتعالى قال عقب هذه الآية الكريمة: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِنْ قَبْلُ ۗ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: 108]؛ إذاً السياق يتحدث عن المعجزات والحجج والأدلة التي يؤيد الله تبارك وتعالى بها أنبياءه ورسله الكرام، فيؤيدهم بما شاء ويُرجِئ ما يشاء من حجج وبراهين إلى دعوة نبيٍّ آخر لأقوامٍ آخرين في زمان آخر أو في مكان آخر.
ويتناسب مع هذا أن خاتمة الآية الكريمة جاء فيها: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ فالحديث هنا عن قدرة الله عز وجل، وهو الحكيم الخبير الذي ينوِّع آياته ويؤيد بها أنبياءه ورسله بحسب مقتضيات الواقع لما يحقق الغرض من تلك الآيات، والغرض لا ريب هو تصديق ما جاؤوا به وإقامة الحجة على أقوامهم.
فبناءً على هذا يكون المعنى واضحًا، وإلا فإن ما استشكله البعض من كلمة النسخ والبحث في الدلالات اللغوية – وهذا المعنى المتقدم لا يخرج عن المعنى اللغوي أيضًا – فإن النسخ من حيث الأصل هو النقل أو الإزالة، وأما أن تكون هذه الإزالة بالإفناء أو بنقل الصورة؛ أما الإفناء فيقال: نسخت الشمس الظل، أي أزالته وحلَّت محله، وأما أن يكون بنقل الصورة كما يقال: نسخت الكتاب، أي نقلت صورته إلى مكتوب آخر. هذه المعاني ملحوظة أيضًا؛ فالله عز وجل ينوِّع في الآيات التي يكرم بها أنبياءه ورسله، إما أن يؤيدهم بنفس المعجزات أو أن يؤيدهم بآيات أخرى مختلفة تناسب المقام، الذي يناسب القوم والزمان والمكان الذي يُبعث فيه ذلك النبي والرسول.
وورد في كتاب الله عز وجل النسخ في مواضع أخرى، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج: 52]؛ ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾: أن يزيل ويمحو آثارها.
والآية التي يشير إليها السائل: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ [النحل: 101]؛ فهذه الآية الكريمة إنما هي في تبديل الآيات، في تنويعها، وفي ما يأتيهم به من حجج وبراهين، فهي تتناسب مع معنى الآية المسؤول عنها.
بقي أن نذكر أن طائفة من العلماء ذهبوا إلى أن المقصود بالآية الكريمة هو ما يتعلق بالأحكام التشريعية، فإن هذه الشريعة اشتملت على أحكام تشريعية كانت مناسبة لوقت، ثم نُسخت تلك الأحكام واستُبدل بها أحكام شرعية أخرى هي خير منها؛ لأن الآية قالت: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، والخيرية هنا باعتبار المخاطبين، فهي أصلح لهم، لا يلزم من ذلك أن تكون أعسر أو أشد، بل قد تكون أيسر وأسهل، والحاصل أنها خير لهم لأنها أوفق بأحوالهم وأصلح لهم؛ لكن السياق لا يسعف هذا المعنى الذي ذهبوا إليه من أن المقصود إنما هو الأحكام التشريعية.
ومنهم من جاوز وتحدث عن النسخ لفظًا وحكمًا، والجمهور على النسخ في الحكم لا في اللفظ – لا في التلاوة نفسها – لأن معنى «النِّسْيَان» الذي هو الترك لا يتناسب مع مقام النبوة، وحتى أولئك الذين قالوا في تفسير قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَىٰ﴾ [الأعلى: 6] وقالوا بأن الخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: ألا ينسى، فالمقصود أن الله عز وجل يمكِّنه مما يوحيه إليه، فلا يتأتى بحال من الأحوال أن ينساه صلى الله عليه وآله وسلم.
إذاً آية ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ذلك هو معناها الأوفق بالسياق، لا سيما وأنه كان في معرض الرد على يهود الذين أصرُّوا على طلب آيات، وكلما جاءتهم آية استكبروا وأبَوا وعتَوا عن تصديقها، والله تعالى أعلم.