⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
في صدارة هذه القيم والأخلاق الأمانة، وإن شئت قلت: الأمانة العلمية؛ فالله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: 27]، فهي قيمة جامعة لعدد من الصفات والقيم والأخلاق التي يجب على العالم أو المتعلم أن يتحلى بها؛ لأن الذي يقابل الأمانة الخيانة.
والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما تقدم من الآية الكريمة: «من غش فليس منا»، فالذي ينسب عملًا لغيره إليه، ينتحل عملًا لغيره هو خائن للأمانة، الذي يحرِّف نصًّا لغيره لأجل موافقة ما يريده هو، هو خائن للأمانة، الذي يعرض تمامًا عن ذكر المصدر الذي أخذ منه هو خائن للأمانة؛ ولذلك فإن في صدارة الأخلاق التي تحكم البحث العلمي عند المسلمين الأمانة، ولذلك شهد بهذا الأعداء، قالوا: كانوا نقلة أمناء.
الصدق هي القيمة الثانية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]، فلا بد أن يكون الباحث صادقًا، يبين المعلومة التي أتى بها، وما مصدرها، وما المرجع الذي عوَّل عليه، ويتثبت من صحتها؛ أما أن ينتحل أو أن يفتري – وهذا أسوأ أنواع الكذب – فهو داخل في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المتشبِّع بما لم يُعطَ كلابس ثوبي زور»، ولذلك نحن نستند إلى أصول شرعية شريفة تحكم لنا أخلاقنا في البحث العلمي.
أيضًا يتجنب الانتحال والافتراء؛ فالله عز وجل يقول: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]؛ فحينما ينسب قولًا إلى نفسه وهو لم يقله، أو ينسب معلومة إليه وليس هو بصاحبها، فإن هذا من الانتحال والافتراء وهو أسوأ أنواع الكذب؛ فما تقدم من أدلة شرعية تشمل هذا النوع: من تشبَّع بما لم يُعطَ كان كلابس ثوبي زور، «من غش فليس منا»، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾، كل هذه الأدلة تشمل هذا الصنيع.
أيضًا من الأخلاق التي استنبطها علماء المسلمين وكانوا حريصين على التقيد بها: النص على الاقتباس أو التضمين أو النقل؛ حينما ينقلون من غيرهم فإنهم ينصون على ذلك، يذكرون المصادر، وهذا ينفي عن المسلمين ما يتعلق بكتمان العلم والحقوق الشخصية للمؤلف؛ ليس هناك تضاد أصلًا، وإنما المطلوب أن يذكر الناقل المصدر الذي أخذ منه المعلومة أو الحقيقة أو النتيجة التي وصل إليها غيره.
أيضًا: الدقة، ويُقصد بالدقة الرسوخ في العلم؛ ولهذا نجد كثيرًا في كتاب الله عز وجل الإشادة بالعلماء، يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43]، ويسمي الراسخين في العلم، ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]؛ لأن المقصود أن يكون العالم المسلم مجدِّدًا مبدعًا مبتكرًا، دقيقًا متثبتًا فيما ينقله.
من المبادئ المهمة: الحرية، ويُقصد بها الحرية بمعناها الشرعي، بحيث يكون العالم بعيدًا عن أي إكراه أو اضطرار يمكن أن ينفي عنه حرية البحث العلمي والوصول إلى النتائج؛ وهذه كانت من أبرز القيم التي تحلَّى بها العلماء المسلمون؛ بحيث لم تكن عليهم إملاءات لا من أصحاب سلطة ولا من بيئة علمية ينتسبون إليها ولا من أي كان، كانوا أحرارًا في بحثهم يصلون إلى النتائج.
وأخيرًا – وهذا أيضًا مما يميز حضارة الإسلام فيما يتعلق بأخلاق البحث العلمي – البعد عن اللهو والعبث وما لا فائدة منه؛ لأنهم يؤمنون أنهم مسؤولون عن أوقاتهم وأعمارهم، وعن ملكاتهم التي آتاهم الله عز وجل، فهم بعيدون عن اللغو والعبث، ولا يُقصد من هذا أن تكون العلوم والبحوث التي يقومون بها محققة لنتائج مادية؛ بل قد يكون نفع العلم للعلم نفسه، أو لأنه ينفع الحياة، أو للأمرين معًا؛ أما أن يكون عبثًا محضًا فهذا ما لم يشتغل به علماء الإسلام؛ ولذلك ما خاضوا فيما يتعلق بالكهانة والخرافة والأساطير وما لا يستند إلى أدلة أو لا نفع له لا للعلم نفسه ولا لحياة الناس.
والله عز وجل يقول: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3]، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قيل وقال وإضاعة المال، وأثنى الله عز وجل على من يُربأ بنفسه عن أن يخوض مع الخائضين، قال: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72].
هذه هي جملة الأخلاق التي تحلَّى بها علماء المسلمين الأوائل استنباطًا مما في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واجتهادًا منهم فيما يحكمون به بحوثهم ودراساتهم ومؤلفاتهم ومصنفاتهم ليصلوا إلى النتائج التي كانوا يتوخون.