مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

تعريف الكفر والحجة

ما رأي الشيخ في تعريف بعض المفكرين للكافر بأنه من أتته الحجة الدامغة ثم عاند، ومصير من لم تصله الحجة أو وصلته مشوهة؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أولاً، قبل الجواب العلمي: مثل هذه الأطروحات… أنا لا أعرف منشأ هذا الحدب والعطف على أهل الكفر، في مقابل أيضاً الغلظة والشدة على أهل الإيمان؛ كثير من هؤلاء أيضاً لا يبالون في تصنيف أهل الإسلام، فتجد أنهم يصنِّفون الملتزم المستقيم أنه متشدد مغالٍ، ويصنِّفون من كان حريصاً على التأسي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتصنيفات وألقاب فيها من الغلظة والشدة ما يمكن أن ينفِّر، مع أن الأَولى بهم أن يكونوا أكثر حدباً ورحمةً وحثًّا لمن كان سائراً في طريق الخير والاستقامة، يعينوه على نفسه؛ فإن كانوا هم مقصِّرين لا يستطيعون أن يتأسَّوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن يعضُّوا على أحكام كتاب الله عز وجل بالنواجذ، فلا أقل من أن يعينوا غيرهم عسى أن يمنَّ الله عز وجل عليهم أيضاً في يوم من الأيام بالهداية والأخذ بأسباب الاستقامة والصلاح والخير والتقوى. وفي مقابل هذا كله –كما تقدم– تجد أن الواحد منهم يظهر من الحدب والعطف والرافة والاكتراث بمصائر عباد الله في أقصى هذه الأرض، في جزر نائية، أو في أعالي البحار، أو في أدنى المحيطات، ويكترث لمآلهم، كأن مصائر العباد بيد العباد، وينسى أن الله تبارك وتعالى الملك العدل، الحكم العدل، وأنه أرأف الناس وأرحمهم، وهو جل وعلا الخالق البصير الحكيم العليم الخبير السميع البصير؛ فهو الذي يتولى العباد يوم القيامة. هذه مقدمة فقط؛ الآن أيضاً –بعيداً عن كلام التراث– لنأتِ إلى كتاب الله عز وجل في هذا الشأن. حينما نتحدث عن الحجة، فإن الحجة نوعان: حجة عقلية وحجة نقلية؛ أما الحجة النقلية فيُقصَد بها –وهي التي يعبِّر عنها علماء الإسلام بالسماع– ما يأتي به الرسل من تفاصيل الدين، ومن الشرائع والأحكام والأخلاق والأسماء؛ هذه لا تحصل إلا بالسماع، لا تحصل إلا بدليل نقلي؛ ولذلك أرسل الله تبارك وتعالى الرسل وأنزل الكتب، وقال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. لكنه قال أيضاً –وهنا سننتقل إلى حجة العقلية– قال: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾؛ وقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾، لماذا أقام عليهم هذه الحجة؟ ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾. هذه في أصل فطرة الإنسان؛ ركب الله تبارك وتعالى من الملكات والعقل ما يمكِّن هذا الإنسان في فطرته من الاعتراف بوحدانية الرب الخالق سبحانه وتعالى، ومن وصفه بأعلى الصفات وأكملها وأفضلها، ومن معرفة أن وراء الحادث مُحدِثاً، وأن وراء السبب مسبِّباً، وأن وراء هذه الصنعة صانعاً؛ هذه تدركها العقول السليمة، وتصل إلى أن هذا الخالق المبدع الصانع متصف بصفات الكمال ومنزَّه عن صفات النقص؛ كما أنها يمكن أن تصل بالإنسان إلى أن يترقَّى في درجات الكمال الإنساني فيترفع عن الصفات البهيمية الحيوانية؛ هذه الآية تتكلم عن هذا الجانب. ولذلك نجد أن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾، ورسولنا صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «كل مولود يولد على الفطرة»، وهو متسق تماماً مع هذه الآية الكريمة، ثم يقول: «فأبواه يهودانه ويمصرانه ويمجسانه»، وفي رواية: «كل مولود يولد على هذه الملة، فأبواه يهودانه ويمصرانه ويمجسانه»، وفي رواية: «وما من مولود، وما من نَسَمة، إلا وهي مولودة على الفطرة»؛ أحاديث صحيحة متسقة تماماً مع هذه الآية الكريمة. نجد أن الله تبارك وتعالى يقول في أهل النار: ﴿قَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا﴾… ثم قال: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾؛ فهناك حجة قامت عليهم بالسماع، وهناك حجة قامت عليهم بالعقل. الآن لا بد أن نفهم أن الحجة تقوم على العباد من جهتين: حجة عقلية –وهذه الإقامة– فإذا كانوا أهل عقول سليمة، وهذا ما يعبِّر عنه أهل الإسلام: الإيمان بوحدانية الله، بوحدانية الخالق، بوحدانية الرب؛ وإن لم يصلوا إلى اسمه؛ مما يتوصَّل إليه بالعقل السليم، ومعرفة أنه الصانع المحدث لهذا الكون، وأنه متصف بالقوة والقدرة، وأنه في أعلى ما يمكن أن يصفه به العقلاء؛ هذا مما تقوم به الحجة عقلاً، أي: فهم مؤاخذون على هذا، ولا يُعذَرون، ولذلك تجد أن تعبيرات العلماء يقولون: لا يُعذَرون بالشرك الأكبر؛ لماذا؟ لأن الحجة فيه تقوم بالعقل، ولا حاجة في ذلك إلى السماع؛ السماع يأتي لمعرفة التفاصيل والشرائع والتشريعات والحقوق التفصيلية، ولمعرفة الأسماء كأسماء الله تبارك وتعالى، أسماء هذا الرب الإله الخالق، وأسماء الرسل والكتب وما سوى ذلك من التفاصيل. وهنا هذه الحجة أيضاً النقلية لم يشترط العلماء أن تكون على أيدي، أو أن تكون على ألسنة العلماء الراسخين في العلم، وإنما قالوا: إن «المعبِّر» –ويقصدون به المبيِّن الذي يقيم الحجة، يوصل البيان للناس– فإنه تقوم به الحجة. فهذا الاجتزاء الحاصل هو سوء فهم لما يقرره لنا كتاب الله عز وجل وما وُجد أيضاً في التراث الإسلامي؛ وإلا فإن المسألة واضحة بيِّنة، ولا حاجة إلى هذه الصفصطة، وهذا الإسفاف في القول. والله تعالى أعلم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٦‏/٧‏/٢٠١٨👁 2 مشاهدة
🎬

#فتاوى_متنوعة - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي - ليلة 11 شوال 1439 هـ

الحديث الشريفالعقيدة

✦ فتاوى مشابهة

معنى الكفر بترك الصلاة

2 👁

هل كون الصلاة فارقًا بين المؤمن والكافر هو إشارة لمعانٍ قيمية وتنظيمية أم لمعنى عقدي محض؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

معنى الكفر بترك الصلاة

2 👁

هل تنصيص النبي صلى الله عليه وسلم على أن الفارق بين المؤمن والكافر هو الصلاة يشير إلى المعاني القيمية والتنظيمية للصلاة أم إلى الجانب العقدي المحض؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٦‏/١٢‏/٢٠١٨

معنى الكفر بترك الصلاة

2 👁

هل تنصيص النبي على أن الفارق بين المؤمن وغير المؤمن هو الصلاة يشير إلى المعاني القيمية والتنظيمية للصلاة أم إلى الجانب العقدي المحض؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

حدود الكلام عن مصير الكفار

2 👁

ما الإطار الذي يتحدث فيه العلماء عن قيام الحجة على الناس، وهل يحكمون بمصائر الأعيان في الآخرة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٦‏/٧‏/٢٠١٨

حكم قراءة الكف

5 👁

ما حكم من يقرأ الكف وهل على الشخص المقروء عليه توبة؟

👤إبراهيم بن ناصر الصوافي
٢٠‏/٥‏/٢٠٢٦

حقيقة النفاق ومسارعته للكفار

2 👁

قول الله تعالى: {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} هل يشير إلى نفوس لم يكتمل فيها الإيمان واتخذت الدين جنة، أم هو بيان لحالات طارئة داخل إطار الإيمان؛ أهي حالة عقدية أم اختيار استراتيجي داخل الإيمان؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/١‏/٢٠١٢