مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

حقيقة النفاق ومسارعته للكفار

قول الله تعالى: {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} هل يشير إلى نفوس لم يكتمل فيها الإيمان واتخذت الدين جنة، أم هو بيان لحالات طارئة داخل إطار الإيمان؛ أهي حالة عقدية أم اختيار استراتيجي داخل الإيمان؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا ريب أن المؤمن الذي لامست آثار الإيمان شغاف قلبه، وتغلغل الإيمان في أعماق نفسه، لا يتردد في الانسياق وراء أمر الله سبحانه، والتجاوب مع نداء الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، والتفاعل مع متطلبات الدين؛ لأن المؤمن يجسد الإيمان بعمله وتطبيقه، إذ الإيمان يقتضي الانقياد التام والإذعان المطلق لأمر الله تعالى. فالإيمان والإسلام هما وجهان لعملة واحدة، أو صورتان لحقيقة واحدة؛ إذ الإيمان إنما هو الحقيقة الباطنة للإسلام، والإسلام هو الصورة الظاهرة للإيمان، فهما بطبيعة الحال شيئ واحد، والإسلام هو الانقياد والإذعان، والإيمان أيضاً يقتضي ذلك بطبيعة الحال، كما ذكرنا الآيات الدالة على هذا. وقد بين الله تعالى أن حقيقة الإسلام تعني الانقياد في الظاهر والباطن، انقياد الروح والجسم والمشاعر والأحاسيس والفكر والوجدان لله تبارك وتعالى، حتى يكون كل شيء لله، حتى يكون المحيا لله ويكون الممات لله، فإن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا، وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ، قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 161-163]. ونحن نرى أن الله سبحانه وتعالى يبين أن المسلم إن كان يحاول أن يتقرب إلى الآخرين فإنه لن يرضوا عنه بأي قربة وبأي ترك لمبادئ هذا الدين حتى يتخلى عن الدين تماماً: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ اليَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120]، ويقول سبحانه وتعالى في مطلق الكفرة: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: 2]، يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ، تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ، وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الحَقِّ، يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ، إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي، تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ، وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ، وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ، إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً، وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ، وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: 1-2]. هكذا يودون من المسلم أن يكفر كفراً تاماً، يتجرد من إيمانه، ويبتعد عن إسلامه، وينقلب إلى عكس ما يقتضيه دينه، بهذا ينسجم معهم، أما كل ما يعدونه تنازلاً فإن ذلك لا يجديهم شيئاً. ولا ريب أن الكل يريد أن يلتف على المسلمين ليبعدهم عن الإسلام، فهم يخشون من المسلم الملتزم تمام الخشية، ويرون أن تحكيم الإسلام والأخذ بحجَزِ القرآن وبحجز السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام أمر يقلب موازين هذه الحياة رأساً على عقب، فلذلك يحذرون من ذلك كل الحذر، ويخشون ذلك كل الخشية، وهم في الحقيقة لو أدركوا لعلموا أن في ذلك الرحمة لهم؛ هذه هي الرحمة للإنسانية كلها. الإنسانية نعمت أيما نعمة في ظلال الإسلام الحنيف، نعمة لم تنعمها في ظل أي مبدأ آخر، الإنسانية عرفت قيمة إنسانيتها في ظلال الدين الحنيف؛ الله سبحانه وتعالى فرض العدل على الجميع، فرض العدل ما بين القوي والضعيف، وما بين الحاكم والمحكوم، وما بين القريب والبعيد، وما بين البغيض والحبيب، ليست هنالك فروق تقتضي أن يُحرَم أحد من الناس من العدل، أو أن يُوفَّر لأحد على حساب الآخر، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ، وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ، إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا، فَلَا تَتَّبِعُوا الهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: 135]، وفي المقابل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالقِسْطِ، وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا، اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى، وَاتَّقُوا اللهَ، إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8]. أيضاً نجد أن هذا لم يكن مجرد منهج نظري من النظريات، أو فكرة من الأفكار، وإنما كان منهجاً تطبيقياً، كان منهجاً تطبيقياً، فرضه القرآن على الناس، وكان وراء تطبيقه القرآن، كان وراء تطبيق هذا المنهاج، كما هو واضح في قصة أبي قِرْدَة الذي لصقت به تُهمة كان براءً منها، نزل قرآن يبرئه من هذه التهمة. عندما وقعت سرقةٌ وسرق سارقٌ درعاً، وخشي قرابته أن ينكشف أمره، فأرادوا أن يُلقوا بهذه التهمة على كاهل يهودي، نقلوا هذه الدرع وألقوها في البيت اليهودي، وأشاعوا بأن اليهودي هو الذي سرق الدرع، واكتشفت الدرع في بيت اليهودي، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعاقب اليهودي بسبب ذلك، ولكن أبى الله إلا أن ينزل قرآناً يُتلى في الصلوات وفي غيرها فيه تبرئة لساحة ذلك اليهودي. وهذا على أي حال أقصى ما يمكن أن يتصوره العقل من العدل، لا يمكن لعقلٍ بشري أن يتصور عدلاً أكثر من هذا العدل؛ يهودي، واليهود كما أخبر الله تعالى عنهم أشد الناس عداوةً للذين آمنوا، ولكن مع ذلك يأبى الله أن يقع الظلم على ذلك اليهودي، وأن يُغرَّر بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى يبطش به أو يفعل به ما لا يُحمد، بل أنزل الله تعالى على النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ، وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا، وَاسْتَغْفِرِ اللهَ، إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا، وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ، إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا، يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ القَوْلِ، وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا، هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَمَنْ يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا، وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا، وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا، وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ، وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ، وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ، وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ، وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ، وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: 105-113]. هذه الآيات كلها تنزل لأجل تبرئة ساحة يهودي أُلصقت به تُهمة هو منها براء، فإذاً هذا هو أقصى ما يمكن أن يقع من العدل، ما أقصى ما يمكن أن يتصور العقل من العدل، ولا يمكن أن تكون هنالك مساحة من العدل أطول من هذه المساحة أو أبعد من هذه المساحة. فإذاً هذا هو عدل الإسلام، وهذه هي قيم الإسلام، لو طُبِّق الإسلام في هذا العالم لسعد العالم كله، ولكن هناك قوى تريد أن تتغلب في هذه الأرض وأن تنشر الظلم فيها، وهي التي تقف وراء منع تطبيق الإسلام وتعاليم الإسلام في حياة الناس.
👤أحمد بن حمد الخليلي
📅 ٣١‏/١‏/٢٠١٢👁 2 مشاهدة
🎬

الاحتفال بذكرى المولد النبوي - للشيخ أحمد الخليلي

العقيدةالقرآن الكريمالقران الكريم

✦ فتاوى مشابهة

الربط بين آيتين عن النفاق

2 👁

كيف يُجمع بين الآية التي تصف المنافقين بأنهم إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، والآية التي تصفهم بأنهم يصدون عما أنزل الله؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٧‏/١٢‏/٢٠٢١

الخوف من النفاق وحدود الشك في الإيمان

4 👁

إلى أي مدى يمكن للإنسان أن يشكك في إيمانه بحيث يظل خائفاً ومتوتراً، هل يعني ذلك استمرار اتهام النفس بالنفاق كما كان حال بعض الصحابة، أم أن للروايات معنى آخر؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٢١‏/١١‏/٢٠١١

وصف شخص بأنه منافق

2 👁

هل يجوز للإنسان أن يصف شخصا بعينه بأنه منافق إذا ظهرت عليه صفات النفاق المذكورة في الحديث؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٠‏/١٢‏/٢٠٢١

معنى الكفر بترك الصلاة

2 👁

هل كون الصلاة فارقًا بين المؤمن والكافر هو إشارة لمعانٍ قيمية وتنظيمية أم لمعنى عقدي محض؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

كذب الكفار يوم القيامة

2 👁

كيف نوفق بين الآيات التي تنقل إنكار المشركين لشركهم يوم القيامة والآيات التي تنقل اعترافهم بالذنب، وهل يكذبون على الله يوم الحساب؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٧‏/٩‏/٢٠٢٠

دافع اختيار النفاق

2 👁

لماذا يلجأ المنافق إلى إظهار الإسلام وإبطان الكفر مع أن الإسلام يقر حرية الاعتقاد ولا إكراه في الدين؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٠‏/١٢‏/٢٠٢١