⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن الله تبارك وتعالى بيَّن لنا البواعث التي تحمل الفرد على أن يعمد إلى أن يخالف ظاهره باطنه، وإلى أن يخالف باطنه ظاهرًا؛ فإنما يُرَدُّ ذلك إلى مرض في القلوب.
فالله تبارك وتعالى حينما تحدَّث عن المنافقين في سورة البقرة – حيث نَشِبَ النفاق في الفترة المدنية، وكان قبلها، أي قبل الفترة المدنية، كان العداء سافرًا، وكانت نفوس المشركين مشحونة بالحقد والغلِّ والمكر والخداع لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وصحبه الكرام، وكانوا يُظهرون ذلك، يُظهرون ما تنطوي عليه قلوبهم – لكن لما كان في المدينة، بعد أن بلغ المسلمون فيها ما بلغوا من تأسيس نواةٍ لدولةٍ ذات كيانٍ وعِزٍّ، ويمكن لها أن تسود وأن تخاطب غيرها من الحضارات القائمة حولها، نَشِبَ النفاق في المدينة لأمراض في القلوب؛ لأن العداوة كانت أيضًا مستحكمة، لكن ضعف النفوس هو الذي أدَّى بهم إلى أن يُضمِروا الكفر ويُظهِروا الإسلام، والرغبة في النَّيْل من هذا الدين بالكيد له وبمخادعة المؤمنين.
وهذه البواعث النفسية تتصل أيضًا بالبيئة؛ فكما أن صلاح الفرد في هذا الدين مقصود، فإن صلاح البيئة أيضًا مقصود؛ فكان من حكمة التشريع أن يُوَطِّن الله تبارك وتعالى نفوس المؤمنين لما يمكن أن يواجههم ممَّا يُثَبِّطهم عن بيئةٍ صالحةٍ تلتقي فيها نفوسهم على الخير، وتتصافى فيها القلوب، وتجتمع فيها الكلمة؛ فذلك لا يتحقَّق لهم إلا بإزالة كل الموانع والعوائق التي يمكن أن تظهر في طريقهم.
فكان من حكمة هذا التشريع أن يظهر النفاق، وأن يكشف الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم وفي سُنَّة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم الصحيحة الثابتة عنه عليه الصلاة والسلام خِصال هؤلاء المنافقين تحذيرًا للمؤمنين، وكشفًا لما تنطوي عليه نفوس هؤلاء المنافقين، حتى يتمكَّن بعد ذلك المؤمنون من الحذر والفطنة، والتعامل بحكمة لتهيئة البيئة المناسبة، فتجتمع عندهم عوامل الصلاح الفردي والمجتمعي، بمعالجة الواقع بما يقتضيه إيمانهم، وتدعوهم إليه عقيدتهم، ويُبَصِّرهم به كتاب ربهم وهدي نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم.
فهذا هو الذي دفع بأهل النفاق إلى ركوب النفاق، وتَسَنُّم ذروته، والكيد لهذا الدين من الداخل؛ يتلخَّص – كما قلت – في أمراض القلوب، وفي الكيد، في الرغبة في النَّيْل من هذا الدين من الداخل، وفي تكوين نواةٍ في هذا المجتمع الناشئ المتماسك ليبعثوا خلاله الفتنة وينشروا فيه الفساد.
وكانت في ذلك أيضًا حكمة ربانية تتمثَّل في تهيئة بيئة مناسبة يتبصَّر فيها المسلمون بعوامل بناء مجتمعهم؛ فإن ظهر أن هذا النفاق عَمِد إليه المنافقون وركبوا سفينته، إلا أن الواقع أن كيد الله تبارك وتعالى كان الغالب؛ فأراد أن يكشف خِصال هؤلاء المنافقين حتى يتمكَّن أهل الإيمان من التعامل مع هذه الظاهرة.