⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذا لا يقوله إلا جهلة؛ أما القرآن الكريم فهو يدل دلالة واضحة، وكذا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
أما القرآن الكريم، فنفس سورة القدر تدل على تنويه بعظم ليلة القدر: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ هذا كان الإنزال، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ هذا الاستفهام يُراد منه التعظيم لهذه الليلة؛ فلو كانت مجرد ليلة انقضت، فما فائدة أن يُبلَّغ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم هذه الليلة؟
ثم نفس السورة قالت بصيغة الجملة الاسمية: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، فهي جملة اسمية، والجملة الاسمية تدل على الثبات؛ أن هذه حقيقة ثابتة مستمرة دائمة.
ثم قالت السورة نفسها: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾؛ فعل مضارع يدل على الاستمرار والتجدد؛ فلو كانت ليلة انقضت تنزَّلت الملائكة بالقرآن الكريم، لكانت قد انتهت، ولأُستُخدِم فعل ماضٍ، أما مع استخدام فعل مضارع فهذا يدل على أن تنزُّل الملائكة متجدد فيها، وهذا وفق قوله سبحانه وتعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، بصيغة المضارع الدال على التجدد والاستمرار.
ثم السورة خُتمت بقوله: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾؛ مرة أخرى يخبرنا الله تبارك وتعالى بجملة اسمية فيها تقديم وتأخير عند أهل اللغة، أو هي على سبيل الحصر، والحاصل: جملة اسمية مرة أخرى تدل على الثبات، تدل على أن هذه حقيقة ثابتة كائنة.
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما يقول: «فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر»؛ هل يتحدث عن ليلة انقضت؟ وقد حرص هو عليه الصلاة والسلام عمليا على أن يتحرى ليلة القدر؛ فكان يعتكف العشر الأول، فقيل له: إن الذي تطلب أمامك، فاعتكف العشر الأواسط، فقيل: إن الذي تطلب أمامك؛ يعني هو كان يتحراها عليه الصلاة والسلام، وأمر أصحابه أيضا أن يتحروها، وقال: «التمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر»؛ إذن قوليا وعمليا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى هذه الليلة.
وفُهِم عنه أصحابه الكرام رضوان الله تعالى عليهم ذلك؛ ولذلك كانت السيدة عائشة تسأله: أرأيت إن صادفتها فما أقول؟ قال: «قولي: اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعفُ عني»؛ يعلّمها ماذا تقول في ليلة القدر، وهي تعلم عنه وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم يجتهدون ويشمّرون عن ساعد الجد عسى أن يصادفوا ليلة القدر؛ فهل غاب عن أذهانهم أنها ليلة انقضت؟
وكذا الحال بالنسبة لإجماع هذه الأمة عبر قرونها المتلاحقة على أنها ليلة في كل شهر رمضان اختصَّها الله تبارك وتعالى بالفضائل التي نص عليها كتابه الكريم، ونص عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ ما معنى: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غُفِر له ما تقدم من ذنبه»؟ في نفس السياق الذي يتحدث فيه عن صيام رمضان: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غُفِر له ما تقدم من ذنبه».
فهذا القول بأنها ليلة قد انقضت نزل فيها القرآن ثم انتهت؛ لا، هي مثل تلك الليلة لعظيم الحدث: أُنزل فيها أشرف كتاب، جاء به أشرف ملك، على أشرف نبي صلى الله عليه وسلم، على خير الأمم على الإطلاق؛ فهي جديرة بكل الاعتبارات أن تكون ليلةً لها من المزايا والخصوصية ما لا مزيد عليه؛ ولذلك هي أفضل ليلة على الإطلاق باتفاق أهل العلم، وعلى هذا أجمعت هذه الأمة في علومها وفي عملها وعبادتها وتنسُّكها عبر هذه القرون المتلاحقة.
والحمد لله.