⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما إن كانوا في تعاملهم مع الناس لا يلتزمون بما يدعون إليه الناس من أخلاق هذا الدين ومراشده وهدايات، فهذا من النفاق.
والله تبارك وتعالى نصب لنا خير مثل في كتابه الكريم؛ فقد جعل لنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم الأُسوة التي يجب علينا أن نَتأسَّى بها، فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ نعم.
وحينما وصف، بيَّن لنا خُلُق هذه الأُسوة الحسنة، قال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ، فَاعْفُ عَنْهُمْ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ، وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159].
فرسولُنا صلى الله عليه وسلم، كما وصفه القرآن الكريم، كان بفضل الله تعالى ومنَّته ورحمته عليه رفيقًا بالناس؛ فالأصل في طَبْعه الرفق واللين: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾، فما هنا مصدرية لتبيِّن أن من ألزم سجاياه عليه الصلاة والسلام أنه رفيق، ﴿لِنتَ لَهُمْ﴾، مع أنه يتعامل مع صحب كرام هم خير القرون على الإطلاق رضوان الله تعالى عليهم، ولا مساومة في مقدار حبهم له عليه الصلاة والسلام، لكنه مع ذلك قال: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، ثم يأمره بترجمة هذه الأوامر إلى واقع عملي: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ، وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾؛ لأن هذه الآية نزلت على إثر أحداث غزوة أُحُد، وما كان من أمر بعض أصحابه رضوان الله تعالى عليهم من مخالفة أمره بالانتقال من الموضع الذي كانوا فيه، فمع ذلك يأمره ربُّه تبارك وتعالى أن يكون رفيقًا بهم، وأن يبتعد عن الجفاء والغلظة والشدة معهم، وأن يغفر لهم، وأن يشاورهم في سائر الأمور التي يحتاجون إلى المشورة فيها، نعم.
وأما أن يظن أهل الصلاح أنهم أكثر تميزًا عن غيرهم فهذا خطأ؛ لأنه أيضًا مخالف لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهنا أستشهد أيضًا بآية قرآنية قد لا ينتبه لها كثير من الناس؛ ذلك أن أهل الكفر –كما قص القرآن الكريم– تحدِّيًا منهم وعنادًا، حينما أرادوا أن يبرروا إعراضهم عن قبول دعوة الحق والهدى التي جاء بها خاتم الأنبياء والمرسلين عليه الصلاة والسلام، كما قال القرآن الكريم: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: 7]، نعم.
فتبريرهم إنما كان لما رأَوه من أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلو كان الحال وصفَ ما هو عليه في بيته لما أمكن لهم الاطلاعُ عليه، نعم، وإنما ما يشاهدونه، ما يرونه عليه من طباع وخِلال وأخلاق؛ فهو يأكل الطعام، إذًا هم يرون أنه يأكل الطعام، نعم، ويمشي في الأسواق، نعم، يبيع ويشتري، ويقضي مآربه، ويسعى في مصالحه عليه الصلاة والسلام.
وقد أكَّد هو المعنى عليه الصلاة والسلام أيضًا بتوجيه رباني في كتاب الله حينما قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ، يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ، فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا، وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]، نعم.
ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يذهب في حاجة المرأة المسنَّة العجوز، ويُلاطف الصِّبيان والأطفال، نعم، ويكون مع أصحابه رضوان الله تعالى عليهم، فيأتي الغريب يدخل عليهم فلا يميِّزه منهم، يسأل: أيُّكم رسول الله؟ لا يميِّزه منهم، صحيح؛ فلا تجد أنه في مظاهر الأُبَّهة أو التقديس من أطباعه من أصحابه، نعم، بحيث يتمكن الداخل من رؤيته كما نجد هذا في واقعنا المعاصر اليوم، نعم.
ولذلك فإن على أهل الصلاح والخير والاستقامة أن يتنبهوا لمداخل الشيطان إلى نفوسهم، وإلى مداخل النفوس التي تسعى إلى أن تثير كوامن الغرور والتكبر على خلق الله تبارك وتعالى، والشعور بأنهم أعظم منزلة وأرفع قدرًا؛ والله تبارك وتعالى يقول: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]، نعم، فهذه الكرامة إنما هي عند الله عز وجل، وهو المُطَّلِع على خفايا النفوس، المطلع على ما تُكِنُّه الصدور، وهو الذي بيده محاسبة العباد يوم يقوم الناس لرب العالمين.
فعلينا أن ننتبه لهذه المداخل التي يمكن أن تنحرف بهذا الإنسان عن معاني الاستقامة.
نسأل الله عز وجل أن يلطف بنا جميعًا، وأن يهدينا سُبُل السلام.