⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
من المعلوم أن أولى ما يقوم به الإنسان من واجب الأمر بالمعروف عن المنكر هو فيما بينه وبين نفسه أولاً، فيؤمر الإنسان أن يأمر نفسه بالمعروف وينهاها عن المنكر، لأن حرصه على سلامة نفسه أعظم، ولأن واجبه تلقاء نفسه أكبر، فعليه أن ينتهر نفسه عن معاصي الله، وأن يزجرها عن مخالفات شرع الله، وأن يردَّها إلى الحق ردّاً جميلاً، وأن يحرص على المباعدة بينها وبين هواها؛ معنى ذلك أنه لا بد من أن يجاهد هذه النفس، ويقاوم رغباتها الجامحة التي تدفع به إلى مخالفات أمر الله سبحانه وتعالى.
وهذا يعني أن الإنسان يُطالَب أن يكون صورة إيجابية صادقة لما يدعو إليه من الخير؛ بحيث عندما ينهى الآخرين عن السوء يرون في شخصه كيف الانتهاء عن السوء، وكيف الاجتناب الذي ينهى عنه ويزجر عنه، وكذلك عندما يأمرهم بالخير فإنه من الواجب أن يكون أولئك الذين يُؤمَرون بالخير يرون صورة الخير واضحة في سلوك ذلك الشخص.
وقد جاء في القرآن الكريم ما يدل على أن أمر الإنسان بالبر مع مجانبةٍ له وسُجُودٍ عنه يُعَدُّ من المفارقات الفاضحة العجيبة، وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ، وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ؛ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]، وهذا ليس هو تقريعاً على أمرهم بالبر، وإنما هو تقريع على المخالفة؛ مخالفة الأمر الذي يأمرون به. وهذا وإن كان من حيث لفظه يُخاطَب به بنو إسرائيل، فإنه من حيث معناه ينطبق على هذه الأمة تمام الانطباق؛ فالأمة تكون بطبيعة الحال واقعة في تناقض عجيب عندما تقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي مع ذلك تتلبَّس بالمنكرات وتبتعد عن المعروف.
وقد أجاد أحد الدعاة الإسلاميين المهرة عندما قال: إن الكلمة لتخرج ميتةً وتصل هامدةً مهما تكن طنَّانةً رنَّانةً إذا هي لم تخرج من قلب يؤمن بها، ولن يؤمن إنسانٌ حقّاً بما يقول حتى يستحيل هو ترجمةً حيةً لما يقول؛ تصوراته دفعةُ حياةٍ، لأنها تستمد قوتها من واقعها لا من طنينها، وجمالها من حقيقتها لا من بريقها.
فإذاً أول شيء يجب على من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويدعو إلى الله سبحانه وتعالى أن يدعو نفسه، ويأمرها وينهاها لتكون متفاعلةً تفاعلاً تاماً مع ما يأمر به من الخير، ومنزجرةً انزجاراً تاماً عما ينهى عنه من الشر، حتى يرى الناس صدق ما يقول؛ إذ الأصل أن الإنسان عندما يجانب عملُه قولَه أن يشك الناس لا في شخصه فحسب، بل حتى في المبادئ التي يُعبِّر عنها بلسانه أو يترجمها بقلمه؛ فإن الناس عندما يرون التناقض بين كلامه وفعله يؤدي بهم ذلك إلى الشك في تلك المبادئ التي يدعو إليها ويَحُضُّ الناس على التمسك بها.
وكذلك من الضرورة أن يكون الداعية الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر عدلاً فيما به يأمر، وعدلاً فيما عنه ينهى، بحيث يحرص على أن يضع الناس بين يديه كأَسنان المشط، لا يُقرِّب أحداً لعلاقة بينه وبينه، ويُبعِد آخر بسبب جفوة بينه وبينه، فعليه أن يترك الناس جميعاً في مقامٍ واحد، وفي ميزانٍ واحد، يُحاسِب الذين يبتعدون عن سبيل الحق ويجانِبون مسلك الرشد، ولو كانوا أقرب قرابةً إليه وأحبَّ أحبةٍ إليه، لأن الحق هو أعظم من كل شيء، وهو أقرب من كل قريب.
وكذلك من الضرورة بمكانٍ أن يكون أيضاً يدعو على بصيرة، كما يؤذن بذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي؛ أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: 108]. نعم، نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قمةً في الأخلاق، كان قمةً في اتباع الرشد، وقد وصفه الله سبحانه وتعالى هنا بهذا الوصف؛ أمره أن يُعلِن بأنه يدعو إلى الله على بصيرة هو ومن اتبعه، فإذاً لا بد من بصيرة؛ هذه البصيرة تجعل الإنسان يضع الشيء موضعه؛ إذ عندما يفقد الإنسان البصيرة قد تلتبس عليه الأمور.
ومن جملة البصيرة الفقهُ في دين الله، ونحن نرى في كتاب الله سبحانه وتعالى ما يدل على أن الإنذار منوطٌ بالفقه، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً؛ فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ؛ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ؛ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122]. نعم، لا بد من التفقه في دين الله تعالى ليَعلَم الحكم الشرعي.
ثم مع هذا أيضاً عليه أن يستعمل الحكمة في الدعوة؛ لأنه إن لم يستعمل الحكمة يفقد الدعوة ويفقد ثمرة هذه الدعوة، إذا فقد ثمرتها فقد الدعوة، ويفقد هذا الجهد الذي أضاعه بسبب أنه أضاع جهده بالتعسف، بعدم استعمال الحكمة. فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ؛ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: 125]. والحكمة هي وضع الشيء في موضعه؛ فقد تقتضي الحكمة أحياناً أن يشتد الإنسان في مواجهة بعض العُتَاة، فقد تلين قلوبهم وترِقُّ بالشدة، وهناك آخرون قد يكونون بخلاف ذلك، قد تكون الشدة منفِّرةً لهم، وداعيةً إلى صدودهم عن الدعوة حتى يخسر الداعية هذه الدعوة.
ونحن نرى أن الله سبحانه وتعالى يأمر بالتلطُّف، لا يُستعمل معه العنف؛ أي نرى أنه يأمر بأن تكون المجادلة بالموعظة الحسنة: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ؛ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ؛ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 34-35]. نعم، الإنسان بالأسلوب الحسن قد يجر الناس إلى الخير، وإنما هناك بعض العتاة أو بعض الناس الذين ألفوا العناد والشقاق، هؤلاء لا يُجدي فيهم الأسلوب الحسن، قد يُجدي فيهم التخويف، ويُجدي فيهم التشديد؛ فلذلك في مثل هذه المواقف يجب على الداعية أن يشتد بحيث يضع كل شيء موضعه، ويأتي الناس بالأسلوب الأمثل الذي يؤلفهم ولا ينفِّرهم، ويقرِّبهم ولا يُبعِدهم، ويؤثِّر عليهم ولا يجعلهم ينفرون من هذه الدعوة.