⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
فإن في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود: 38-39] معنى.
سخرية قوم نوح منه ومن المؤمنين معه وهم يصنعون السفينة التي أمره الله تبارك وتعالى وحياً منه بصناعتها واضحة، نعم، فهو استهزاء واستجهال من الكفار لنوح وقومه المؤمنين.
وقد قابل نوح عليه السلام ومن معه من المؤمنين هذه السخرية المبنية على الجهل بما يناظرها من تعجبهم أيضاً، وهذا هو معنى سخرية نوح والمؤمنين معه من القوم الكافرين؛ أنه تعجب من حماقة هؤلاء.
فنوح ظل يدعوهم إلى دين الله تبارك وتعالى ألف سنة إلا خمسين عاماً، أنذر وحذّرهم، ولكنهم مع ذلك أعموا أبصارهم وغلفوا قلوبهم عن قبول الحق. فلما أن تهيأ نوح ومن معه من المؤمنين للنجاة مما حذّرهم منه ظل أولئك القوم الكافرون سادرين في غيّهم، بل سخروا واستهزؤوا واستجهلوا نوحاً ومن معه من المؤمنين.
فكان معنى الحوار الدائر بين نوح والمؤمنين من جانب وبين القوم الكافرين في الجانب الآخر: أنكم إن كنتم تستجهلوننا فإننا نستجهلكم، إلا أن العجب في أمر القوم الكافرين أن الآيات والنذر قد جاءتهم فأَبَوا قبولها وأعرضوا عنها، ومع ذلك فإنهم يسخرون من نوح ومن معه من القوم المؤمنين.
ومبعث العجب عند نوح عليه السلام ومن آمن معه أن هؤلاء القوم لا يزالون معرضين كافرين بالله تبارك وتعالى.
﴿فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾: هنا أيضاً ذكر المفسرون لطيفة في كاف التشبيه هذه؛ فمنهم من أجراها على بابها، وقال بأن التشبيه على بابه، وهو يدل على اقتران زمني للسخرية، ولذلك وردت بصيغة المضارع: ﴿فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾، فهذا معنى التشابه؛ أي من حيث اقتران زمن السخرية المتبادلة بينهما، إلا أن مبعث هذا الاستهزاء أو هذا الاستجهال مختلف بينهما بون شاسع؛ فذلك مبني على جهل، وهذا مبني على علم بما سيؤول إليه حالهم من الإغراق في الدنيا ومن الإحراق في الآخرة والعياذ بالله.
ومنهم من قال بأن الكاف للتعليل، وهذا معنى لطيف نحا أو ذهب إليه عدد من المفسرين، كما في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 198]، وكما في قوله: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: 77]، فجعلوا الكاف للتعليل؛ فسخريتكم أيها الكافرون هي السبب في سخريتنا منكم لأننا نتعجب من أحوالكم. ولا ريب أن السخرية المسبَّبة المعلَّلة هي أوْجَه من السخرية الناشئة عن الحماقة والجهل.
والله تعالى أعلم.