⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن معنى هذه الآيات الكريمة ينكشف بتبيّن ما الذي يعود عليه ضمير التثنية هذا، فإذا أمكن معرفة ما الذي يعود عليه ضمير التثنية سهل فهم معنى الآية الكريمة.
والصحيح في معنى هذه الآيات أن المقصود جنس المخاطبين، لا الإنسان الأول، ولا معين مخصوص من المخاطبين.
وهذا موجود في كتاب الله عز وجل؛ فالله تبارك وتعالى أيضا يقول: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]. فهذه الآيات لا يُقصد بها مخصوص معين، وإنما يُقصد بها الجنس، جنس الإنسان المخاطَب.
وعلى هذا التقرير، أن الحديث في هذه الآيات الكريمة هو عن جنس الإنسان، يزول الإشكال؛ فالمقصود أن من بني آدم من يُشرك بعد أن يعاهد الله تبارك وتعالى على الانقياد له والاستجابة لأمره.
فلما قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ كناية عما يحصل بين الزوجين، وهي كناية بأنزه عبارة وأروع ما يمكن أن يكون عليه الخطاب في كتاب الله عز وجل، مما يحمل معاني الأدب والستر؛ فكلمة ﴿تَغَشَّاهَا﴾، ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ كناية عما يحصل بين الزوجين، وإلا فالأصل هو الغطاء الذي يأتي من فوق: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: 1]، والغاشية الظلة التي تكون من فوق.
﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾: هذا هو نتيجة ما حصل بين الزوجين، أن المرأة حملت، وكان حملها في أطواره الأولى حملا خفيفا لا يمنعها من أعباء ما تقوم به في هذه الحياة.
﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾: أي أصبح حملها ثقيلا عليها، ﴿دَعَوَا﴾ أي الزوجان دعوا الله ربهما: لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ؛ أي إن رزقتنا ولدا خاليا من العيوب والخلل والفساد، دون أَمْخِضَاد ولا أَزْلَاق كما يقول الزمخشري في «الكشاف»، وقد سار على ذلك سائر المفسرين من بعد، فهما يعاهدان الله تبارك وتعالى أن يكونا من الشاكرين.
﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾؛ فهؤلاء بعدما صدر منهما من العهد لله تبارك وتعالى خانَا ذلك العهد، وأشركا بالله تبارك وتعالى فيما آتاهما، إما شركا خفيا، وإما شركا ظاهرا.
أما الشرك الخفي فبالإسناد إلى أسباب هي من غير تقدير المولى جل وعلا، أو أن يكون ذلك بكفران الله عز وجل عليهما، وجحد نعمته عليهما.
وأما الشرك الظاهر فهو بالإعراض عن توحيد الله عز وجل وعن عبادته، بتعبيد ما آتاهما الله عز وجل لغيره سبحانه وتعالى.
هذا هو معنى هذه الآيات الكريمة، وهي بهذا لا إشكال فيها.
لكن الذي حدا بالسائل –فيما يظهر لي– إلى طرح سؤاله هو ما يوجد في بعض كتب التفسير، مما وُجد أيضا في بعض كتب السنة. والحقيقة أقرّرها بداية أن هذه الروايات ضعيفة، وهي من الدسائس الإسرائيلية في كتب التفسير وكتب السنة. وأمثلها –مع أنها رواية ضعيفة لا يُحتج بها أبدا– ما وردت من طريق سَمُرَة بن جندب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالحديث عند هؤلاء مرفوع، أنه قال: إن حواء كانت كلما حملت فولدت لا يعيش لها ولد، فطاف بها إبليس، فقال: لو سميته عبد الحارث، فسمته عبد الحارث، فعاش.
ولا يخفى ما في هذه –وهذه أمثل الروايات–؛ نعم، هناك بعض الروايات والآثار التي فيها تفاصيل من الخرافات والأساطير ما يظهر بجلاء أنه لا مجال لقبوله أبدا.
الحاصل أن هذه الرواية واضح أنها تنسب الشرك إلى أبَوَيْنا آدم وحواء عليهما السلام، وهما منزهَان عن ذلك، ولا يصح أن يُنسب إليهما؛ فالرواية سندا ومتنا متهالكة لا يمكن أن تُقبل، لكنها –للأسف الشديد– موجودة في كتب التفسير، وخير من بيّن ضعفها وعدم قبولها ابن كثير؛ تتبّع طرق هذه الروايات في تفسيره، وردّها سندا ومتنا كما تقدم.
هناك قول آخر بأن المقصود في الخطاب هو قريش، وأن المقصود هنا قُصَيّ وزوج قصي، جدّ قريش، وأن هذا النذر أو هذا العهد كان من قصي وزوجه، ولكن الله تبارك وتعالى لما مَنّ عليهما بالولد فإنهما سمَّيا أولادهما: عبد مناف، وعبد شمس، وعبد الدار، مما فيه شرك بالله تبارك وتعالى.
ولا دليل على هذا الحصر، بل هذه الآيات الكريمة تصدق على جنس بني آدم الذين يكون منهم الشرك بعد أن يطلبوا من الله تبارك وتعالى العون والمدد، وبعد أن يتوجهوا إليه بالعهد بأن يكونوا من الشاكرين، فإذا بهم بعد ذلك يُخلفون ما عاهدوا الله تبارك وتعالى عليه.
هذا والله تعالى أعلم.