⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، المعنى القريب الظاهر هو أن الله تبارك وتعالى يبين حال هؤلاء الذين يضلون عن سواء السبيل، ويكون ذلك بصيغة الاستفهام التقريري الذي لم يذكر جوابه، وهو يحمل معنى المفاضلة أيضا: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾، وهذا الأسلوب البلاغي في كتاب الله عز وجل يراد به الاتساع في المعنى بحيث يحتمل المعنى وجوها، نعم.
فيمكن أن يكون جواب هذا القسم: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا مُهْتَدٍ؟ لأن الآية بعدها: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: 8]، ويمكن أن يقال: حاله كحال من لم يزَيَّن له سوء عمله، ويمكن أن يقال: أهو ناجٍ؟ أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فِي مَنْجًى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
إذن حُذِف تمام هذا الاستفهام، وهو كثير في كتاب الله عز وجل، لا سيما في الطلب والشرط، يراد منه السعة في المعنى بحيث يحتمل السياق الكثير من المعاني التي يقبلها وهي قريبة المأخذ، ليست بصعبة، يدل عليها السياق، يدل عليها التركيب.
أما لماذا أُسنِد إلى المجهول في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾، لأن هذا التزيين يمكن أن يكون للعلم بما يمكن أن يُزَيَّن للإنسان أعمال السوء والسيئات حتى يبلغ بهذا الإنسان أن يرى السيئ من الأقوال والأفعال يراها حسنة، نعم؛ فإن ذلك يمكن أن يكون من وساوس النفس ومن أهوائها وشهواتها، أو من وساوس الشيطان وحزبه –عياذا بالله–، ويمكن أن يكون من فعل إبليس.
كل هؤلاء الأعداء الذين يتواردون على نفس هذا المكلَّف يمكن أن يزيِّنوا له القبيحة المذمومة من الأعمال والأفعال التي تسخط الله تبارك وتعالى، فإذا به يراها حسنة فيأتي هذه الأفعال، فتنطق بذلك فطرته وتزل به القدم ويزيغ عن الصراط المستقيم؛ فإن حال هذا إنما هو حال ضلالٍ وغواية، بدليل تتمة الآية: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، فهذه التتمة في الآية الكريمة نعم تكشف عن أن هؤلاء الذين يُزَيَّن لهم سوء أعمالهم –كما تقدم من وساوس النفس وخواطرها، ومن اتباع الأهواء والشهوات، ومن وساوس إبليس وحزبه وجنده– فإن هؤلاء كما تقدم إنما هم أهل ضلالة وزيغ.
وفي مقابل هؤلاء هناك من يرون الأمور بما شرعه الله تبارك وتعالى، فما قضى الله عز وجل بأنه من الصالحات ومن الأعمال الحسنة المقبولة التي يثيب عليها، فإنهم يرونه كذلك، وما قبحه الله تبارك وتعالى وعدّه من المذموم السيّئ، فإنهم يرونه كذلك، فيأتون ما حسَّنه الله عز وجل وأمر به، ويجتنبون ما قبح الله تبارك وتعالى ونهى عنه، فهؤلاء هم أهل الهداية والتمسك بالصراط المستقيم.
هذا هو معنى الآية الكريمة، ويمكن ضرب أمثلة كثيرة مما يراه الإنسان في واقع أحوال الناس اليوم في الأفراد وفي المجتمعات وفي الأمم...