⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا شك أن هداية العباد إنما هي بيد ربنا جلَّ وعلا، فهو الذي يهيئ الأسباب، ويقذف نور الهداية إلى قلوب المهتدين، وهذه حكمة الله تبارك وتعالى في خلقه.
لكن لا ريب أن من تطلَّب الهداية فإنه يُؤتَى إيَّاها؛ لأن الله عز وجل يقول في كتابه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾؛ فالهداية تحتاج إلى تسبُّب، تحتاج إلى أن يطمع فيها الإنسان، وأن يسعى إليها، وأن يجمع لها همته، وأن يسلك سبلها كما قال ربنا: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾، وهذا هو معنى المجاهدة؛ فإن النتيجة حينئذ: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾.
ووصف أيضًا ربنا تبارك وتعالى الفتية المؤمنة في سورة الكهف، قال: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ إلى قوله: ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾؛ فالإيمان متحصِّلٌ منهم، ولذلك تطلَّبوا أسباب الهداية فربط الله عز وجل على قلوبهم وأتاهم تقواهم، فالأدلة على ذلك مبثوثة في كتاب الله عز وجل.
ولعله أيضًا يسأل عن الجزء الأخير من الآية: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾، وهذا المعنى أيضًا يتكرر في كتاب الله عز وجل؛ فبعد أن يبيِّن الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم –الذي وصفه بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ، حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ، بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾– فإنه يبين له أن الهداية –بعدما بيَّن له أن الهداية إنما هي بيد الله تبارك وتعالى، وأنه مأمور بالدعوة إلى الله عز وجل، وأما النتائج فهي بيد الله سبحانه وتعالى– فإن الله تبارك وتعالى يواسي نبيه ألا يذهب نفسه أسًى وحسرةً وحزنًا على الصُّدود الذي يواجهه، والإعراض الذي يلقاه من قومه الذين يدعوهم إلى الإيمان بالله تبارك وتعالى وإلى عبادته.
فهذه مواساة من الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وهي متناسبة تمامًا مع صدر الآية الكريمة: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾؛ فهؤلاء الذين يعرضون عنك إنما زُيِّن لهم الشيطان، وزينت لهم أنفسهم وأهواؤهم وشهواتهم ورغباتهم أعمالَهم الباطلة الفاسدة، فرأَوْها حسنة، فأعرضوا عن أسباب الهداية، فكانت العاقبة أن الله سبحانه وتعالى كتب عليهم الشقاء –والعياذ بالله– بسبب إعراضهم وانحرافهم عن الصراط المستقيم.
وهذا المعنى نجدُه في قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ، إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾، و"باخع" بمعنى مهلكٌ لنفسك، وتعبير مجازي عن شدة الحزن والأسى من رسول الله صلى الله عليه وسلم على إعراض قومه، بحيث أثَّر ذلك فيه عليه الصلاة والسلام؛ ولذلك قال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ، إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾.