⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
ما أجاب به نوحٌ عليه السلام قومَه الذين سخروا منه إنما كان جزاءً وفاقاً لاستجماعهم ولِدعوته، ولِتسفيهِهم لما كان يدعوهم إليه من خير؛ فإنهم لما جَهِلوا وسَفِهوا وهزؤوا به، ردَّ عليهم جزاءً لما صدر منهم، بأنهم هم السفهاء، هم الذين جديرون بأن يُهزأ بهم لسفَهِ عقولهم، لعدم استجابتهم للدعوة التي يدعوهم إليها، لدعوة الخير والإيمان والهدى والصلاح التي يدعوهم إليها.
واستخدام هذا اللفظ، أو استخدام هذا الأسلوب هو الذي يُسمِّيه البلاغيون: المشاكلة في اللفظ، أي أن يكون الجوابُ من جنس الفعل الصادر من المعتدي، من جنس الفعل الصادر من الفاعل الأول، وهذا كثير في كتاب الله عز وجل؛ منه هذا الموضع، ومنه أيضاً قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: 79]، فلأنهم سخروا من هؤلاء الذين يؤدون ما افترض الله عز وجل عليهم في الصدقات، فبسبب سُخريتهم فإن الله تعالى عاملهم بما يستحقون من جنس ما صدر منهم، فلذلك قال: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾.
ومن أهل اللغة والبيان من يُسمي هذا النوع خصوصاً: الازدواج في اللفظ، ومنهم من يُسميه التجنيس، يَعُدُّه من التجنيس، أي أن يكون نفس اللفظ إلا أن معناه مختلف، أن يُستخدم نفس اللفظ إلا أن المدلول الذي يشتمل عليه اللفظ يختلف، لكن المشاكلة في اللفظ حتى يكون هناك –حتى يُبيَّن أن الجواب إنما هو من جنس العمل، من نوع ذلك العمل المتقدم.
وإلا فابتداءُ السخرية من الآخرين لا يصح شرعاً، بدليل الآية التي ذكرها سائلُ في سؤاله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ –﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: 11]– هذه السخرية التي تعني الاستهزاء بالآخرين وتسفيههم والتنقص منهم، لا ريب أنها منهيٌّ عنها بنص كتاب الله عز وجل.
لكن الذي تقدم هو جنسٌ آخر مختلف، إنما هو مجازاة على باطل صدر من الآخر، فتكون المجازاة من جنس ذلك العمل، وأما اللفظ نفسه في الاستخدام القرآني فهو الذي أطلق عليه البلاغيون المتأخرون، ومنهم المفسرون المعاصرون، أنه من المشاكلة في اللفظ.
ومن يعني على سبيل المثال أيضاً للفائدة: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67] –والا فالله تعالى لا شك أنه منزه عن النسيان– و﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: 30]...