⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
ينبغي لنا أن ندرك أولا أن الله تبارك وتعالى قد وصف قوم نوح في كتابه الكريم بقوله: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾ [النجم: 52]. وللمفسرين قولان في معنى هذه الآية الكريمة: فمنهم من قال بأن المقصود أنهم أظلم وأطغى ممن تقدم ذكرهم، وهم قوم عاد وقوم ثمود، ومنهم من قال بأن المقصود على الإطلاق، وهذا القول غير بعيد.
لأننا نجد أن الله تبارك وتعالى وصف نوحا عليه السلام بقوله: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: 14]، ومع ذلك نجد أنه في آخر هذه المدة يقول: ﴿فَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: 40]، وبين لنا كيف نوّع نوح عليه السلام في أساليب دعوتهم إلى الحق: ليلا ونهارا، سرا وجهارا، ينوّع في الأساليب معهم، ومع ذلك فإنه في آخر هذه المدة يقول: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.
فهنا يمكن لنا أن نتصور ما ورد في سورة الأعراف؛ فإن نوحا هنا –يعني باختصار شديد بعد هذه المقدمة– فإن نوحا عليه السلام خاطب قومه في سورة الأعراف بقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: 59]، هذا إنذار ووعيد، وغاية في الإبلاغ لتهجيج نفوسهم، ولتوعدهم بالمصير الذي ينقلبون إليه.
بينما خطاب هود في الأعراف: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: 124-126]، وفي موضع آخر من الأعراف: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 65]؛ خطاب ألطف، ولذلك نجد أن جواب قوم نوح أغلظ، أشد غلظة وشدة من جواب قوم هود؛ فقوم نوح قالوا: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: 60]، وقوم هود قالوا: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ [الأعراف: 66]؛ فجوابهم أشد؛ لأن ما بلغهم إياه رسولهم كان فيه وعيد أشد، وأما في خطاب هود عليه السلام، فإن الخطاب في هذا السياق، في هذا الموضع، كان فيه قدر من التلطف، ولذلك قال: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾.
هذا وجه.
الوجه الآخر: هو أن الضلال يوصف به الفعل في الغالب؛ لأن الضلال هو الذهاب عن الصواب، هو مجانبة الصواب، والسفاهة توصف بها النفس؛ لأن سفاهة تعني الخفة، وخفة الرأي وسخافة العقل، فهي صفات طبيعية توصف بها النفس، السفاهة، فهي ضد الحلم؛ السفاهة خفة في الرأي وسخافة في العقل تورث عجلة وطيشا.
فلذلك نجد أن قوم هود عليه السلام لما سفّه لهم آلهتهم، وسفّه لهم صنائعهم وعاداتهم، فإنهم نسبوا السفاهة إليه، أما قوم نوح، فإنه بعد أن دعاهم ومكث فيهم، إذا به يصنع سفينة في أرض لا ماء فيها، ومع ذلك هو يحذرهم ويدعوهم إلى الإيمان، فرأوا أن عمله هذا مجانب لأي صواب يمكن أن يتصور، فاتهموه بأنه في ضلالة، وأنه في ضلال مبين، لأن هذا الفعل الذي يصفونه به لا يمكن أن يكون… لا يمكن أن يصدر من رشيد، ممن عمله صواب؛ فلذلك ناسب ما كان يقوم به نوح عليه السلام، وما كان يدعوهم إليه، ناسب أن يكون في هذا السياق القرآني جواب قومه له مشتملا على وصفه بالضلال المبين.
يعني هو ورد في مواضع أخرى وصف، نجد أن قوم نوح وصفوه في المؤمنون، قال ربنا تبارك وتعالى على لسان قوم نوح: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: 25]، فوصفوه بهذا الوصف، لكن في هذا السياق من سورة الأعراف، فالمشهد الذي أمامنا هو أن نوحا عليه السلام يصنع السفينة في أرض لا ماء فيها، وهو يدعوهم إلى الإيمان ويحذرهم من الآخرة، فنسبوه إلى الضلال.
أما هود عليه السلام، فكما تقدم: كان يسفّه لهم آلهتهم، يسفّه لهم أحلامهم، فنسبوه هو أيضا إلى السفاهة.
يتأكد هذا –أخيرا– أو يزاد إلى هذا، يضاف إلى هذا وجه ثالث، وهو جواب كلا الرسولين الكريمين عليهما أفضل الصلاة وأزكى السلام على نبينا صلى الله عليه وآله وسلم.
في نوح عليه السلام قال: ﴿يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: 61-62]، استعمل صيغة الفعل: أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم؛ لأن الذي اتهموه به يتعلق بفعله.
أما في هود عليه السلام فقال: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف: 68-69]، أيضا استعمل وصفا يدل على تمكن هذا الوصف منه؛ لينفي به السفاهة التي وصفوه بها.
فالسياق القرآني هنا يتناسب مع هذه الأوصاف المذكورة.
والله تعالى أعلم.