⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الجواب: إن الموقفين مختلفان؛ فنبينا صلى الله عليه وآله وسلم كان في وقت تحنُّث، وإذا به بجبريل عليه السلام – وأكثر الروايات أنه رآه على حقيقته – فكانت تلك المرّة الأولى التي يرى فيها عِظَم خَلْق جبريل عليه السلام، ثم إنه أتاه من غير مقدمات، وهو في حالة تحنُّثٍ وتعبُّده للخالق جل وعلا، ثم إنه أيضًا ضمَّه إليه، قال: فغطَّني حتى بلغ – في الرواية – قال: فغطَّني حتى بلغ مني الجهد، فقال: اقرأ، ثم غطَّني حتى بلغ مني الجهد، ثم غطَّني ثلاث مرّاتٍ حتى بلغ مني الجهد؛ ومن أجل ذلك أصاب رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم ما أصابه.
وما يعتري الأنبياءَ والمرسلين حين تلقي الوحي هو أمرٌ – فيما يظهر، كما في سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام – أمرٌ بالغ الشدّة؛ لأن الذي يتلقَّونه هو وحيٌ عظيمٌ من عند الله تبارك وتعالى، وتكليفٌ بأمرٍ جسيم، ولولا ما أتاهم الله عز وجل من صفات، وحباهم به من فضائل وكمالاتٍ إنسانية، لما أمكن لعموم البشر، لأحد من البشر، أن يحتمل مثل هذه المواقف.
وما حصل للأنبياء والمرسلين قبله عليه الصلاة والسلام حين تلقيهم الوحي هو أيضًا مثل هذه الشدّة التي يمرّون بها.
لكن في موقف موسى عليه السلام هذا – عند بداية تلقيه – كانت هناك مقدماتٌ هيّأت؛ فرأى نارًا وأقبل عليها، لم يجد أحدًا، ونودي: يا موسى، ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: 12]، ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه: 13]، ثم يقول له: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14].
مقدماتٌ هيّأت موسى عليه السلام لتلقّي وحي الله تبارك وتعالى، وكان يسمع صوتًا، والصوت يناديه باسمه، وهذا النداء كان نداءً لطيفًا إلى موسى عليه السلام: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾؛ فمعنى الربوبية – كما تقدّم – فيه الرعاية والقيام بالشأن والحَدَب والتربية.
ثم إن موسى عليه السلام أيضًا أصابه الوَجَل في قصّته مع السحرة: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل: 10]، وفي الآية التي سُئل عنها: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ * قُلْنَا لَا تَخَفْ﴾ [طه: 67-68]، يعني أصابه شيءٌ من الخوف.
هنا لما ألقى – لما أمره ربّ العزّة والجلال أن يُلقي عصاه – فإذا هي حيّةٌ تسعى، فلما رآها كذلك: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾، ربنا تبارك وتعالى يقول له: ﴿يَا مُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ﴾ [القصص: 31]؛ إذًا الخوف موجود، لكن هنا لم يكن في بداية تلقيه لوحي الله تبارك وتعالى، وإنما كان أثناء ذلك لما بدأ يرى الآيات التي يُمكِّنه منها رب العزّة والجلال.
لكن مع ذلك لا يُقال بوجهٍ من الوجوه إن ما حصل لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم هو خارجٌ عمّا كان يُصيب الأنبياءَ والمرسلين قبله؛ فالموقف مختلفٌ تمامًا؛ هذا الموقف فيه قدرٌ من الشدّة، وقد يُفسَّر ذلك لأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، ويتلقى الرسالة الخاتمة، وبه يكون خَتْم الرسالات من عند الله تبارك وتعالى، ولأن ما يتلقّاه مُهَيْمِنٌ على كل ما كان في الرسالات قبله؛ فهذا المقام مقامٌ رفيعٌ جليلٌ مهيب.
ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشر، فما حصل له دليلٌ على بشريّته، وأن الله تبارك وتعالى اصطفاه للرسالة؛ ولذلك يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ [الكهف: 110]؛ فهذا الجانب البشري ليس منفيًّا عنه عليه الصلاة والسلام، لكن الموقف الذي مرّ به كان موقفًا لا تحتمله الجبالُ الراسيات لشدّته وعِظَمه وما كان فيه.
فالموقفان – كما تقدّم – مختلفان، وما حصل للنبيين الكريمين عليهما الصلاة والسلام مختلف، ولكن ذلك كلَّه لا يقدح في مقام النبوّة والرسالة لهما عليهما الصلاة والسلام، مع علوّ منزلة سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم خاتمِ الأنبياء والمرسلين.