⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهّمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم إنك أنت العز الأكرم، وأنت الرب، وأنت الحكم.
أما بعد، فمن أجل الجواب عن هذا السؤال لا بد من بيان معنى الفقه الإسلامي أولًا ولو بإجمال واختصار.
فإن معنى الفقه: علم النفس ما لها وما يلزمها فعلًا وتركًا، أو هو العلم بالأحكام الشرعية التفصيلية من أدلتها التفصيلية، أو بلغة معاصرة: هو ما أنتجه العلماء المجتهدون من استنباطات للأحكام الشرعية العملية في مختلف وجوه العبادة والحياة من الأدلة التشريعية الأصلية والتبعية. هذا هو الذي يطلق عليه الفقه الإسلامي، فهو نتاج علمي في مجال الأحكام الشرعية العملية.
هذا النتاج يُنسب إلى أهل اختصاص، وهم الذين يُعرفون بالمجتهدين، هم أهل الذكر في هذا الشأن، وهذا الإنتاج إنما هو – من حيث الموضوع – متعلق بالأحكام الشرعية العملية التي يحتاج إليها المسلم من أمر عبادته ومن أمر حياته.
وهذه الاستنباطات الاجتهادية التي أتى بها الفقهاء المجتهدون في تبيين الأحكام الشرعية إنما تُؤخذ من الأدلة الشرعية، وفي صدارة هذه الأدلة الشرعية كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم الإجماع والقياس، وما يُعرف بعد ذلك بالأدلة التبعية.
إذا تحرر هذا أمكن لنا أن نفهم لِمَ بلغ الفقه الإسلامي ليكون – كما سميتموه – قانونًا عمليًّا في حياة الناس؛ لأنه متعلق ببيان الأحكام الشرعية العملية لهذا الدين الحنيف. والدين نفسه يقوم على أمرين اثنين: يقوم على العلم، ثم يقوم بعد العلم على الالتزام.
فإذا كان قائمًا على العلم فإن هذا يدفع المكلف إلى أن يتعرّف على هذه الأحكام الشرعية، ليعرف وجوه عبادته لله تبارك وتعالى: كيف يمتثل أمر الله عز وجل في واقع حياته، فيما يتعلق بعبادته له جل وعلا أو دعائه وتضرعه إليه، أو فيما يتعلق بمعاملته للناس بمختلف وجوه المعاملات، سواء كانت معاملات مالية أو كانت معاملات اجتماعية، مما يتعلق بالحقوق والعقود والالتزامات وغيرها، أو كان فيما نعرفه نحن اليوم بالممارسة السياسية، أي بالفقه السياسي: فيما يتعلق بالمشاركة في القرار، فيما يتعلق بالحكم ونظام الحكم، فيما يتعلق بالصلة بين الحاكم والمحكوم وحقوق كل طرف وواجبات كل طرف، إلى آخر ما يتعلق بالمعاملات بمختلف أنواعها.
إذا العلم بها هو الركن الأول، ثم يأتي بعد ذلك الالتزام؛ لأن دين الله تبارك وتعالى ليس نظريات تُحشى بها الأدمغة، وإنما هو التزام؛ فالالتزام يعني العمل، يعني أن يمتثل المرء أمر الله تبارك وتعالى فيما أمره به وفيما نهاه عنه، فهو فعل إتيان لما أمر الله عز وجل به، أو كفّ لما نهى ربنا تبارك وتعالى عنه.
فليس هو مجرد علم نظري لا صلة له بواقع الحياة، وإنما هو التزام، ولذلك لما كان الفقه الإسلامي معبِّرًا عن هذا العلم بالأحكام الشرعية، وعن كيفية الالتزام بها، فإنه بطبيعة الحال صار قانونًا يلتزم به المكلَّفون، حتى مع غياب السلطة الرقابية أو التشريعية أو الحاكمة.
فقد حصل ذلك – أي حصل العلم والالتزام – والمسلمون جماعة في مكة المكرمة تعاني من الظلم والاضطهاد والاستهزاء والسخرية ما لا مزيد عليه، ومع ذلك فإنهم تفقهوا في دين الله تبارك وتعالى، والتزموا بما أمرهم الله عز وجل به، وأطاعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغهم إياه عن ربِّه جل وعلا، وفيما أمرهم به وحيًا غير متلوٍّ عليه الصلاة والسلام.
أما ما يتعلق بالمراحل – باختصار شديد – فإنها أقرب إلى العلم النظري؛ لأننا إذا فهمنا هذه الطبيعة للفقه الإسلامي أمكن لنا أن نتصور أنه تدرج في بنائه بحسب ما يتعلق بهذين العنصرين من العلم والالتزام، وبحسب سَعة الحوادث والنوازل، وما يحتاج إليه المسلمون وما يتطلعون إليه في مستقبلهم.
أما ما يتعلق بتدوين الفقه الإسلامي وبالخصائص والمزايا لكل مرحلة مرَّ بها المسلمون، فتغيَّر الفقه الإسلامي أو تطوَّر أو اختلف تبعًا لهذه المراحل المعيشية والسياسية والفكرية والعلمية والحضارية التي تقلَّب فيها المسلمون، فإن ذلك أمر حتمي لا مناص منه، فمن احتاج إلى معرفة أطوار الفقه الإسلامي أو أدوار الفقه الإسلامي من حيث تدوين العلم وخصائص هذه المراحل فهذا موجود في مظانِّ الكتب، وليست هي – في ظني – مَحلَّ البحث الآن.