⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
فيما يتعلق بالضوابط والمعايير التي يلتفت إليها الإنسان عندما يأخذ أحكام الدين من شخصية معينة، وعالم دين:
هناك ضوابط تتعلق بالعالِم نفسه؛ فالشرط الأول أن يكون عالِمًا؛ لا يصح أن يكون مدَّعيًا للعلم، أو أن يكون مقلِّدًا لغيره، أو أن يَغلِب عليه الجهل والتضليل، فلا بد أن يكون عالِمًا.
والشرط الثاني –باختصار شديد– أن يكون عدلًا في دينه؛ فإن هذا العلم أمانة، لا يُؤخَذ إلا من العدول: «يَحمِلُ هذا العلمَ من كلِّ خَلَفٍ عُدولُه». فالعدالة شرط مهم يُغْفِل عنه كثير من الناس اليوم في مَن يأخذون عنهم العلمَ والفُتْيَا والوعظَ والإرشاد.
صحيح أن المؤمن يقبل النُّصْح، يطلب ما يقوم له مَسْلَكُه من أيِّ أحد كان، وأن من شأنه أن يقبل إذا أُمِر بمعروف أو نُهِي عن منكر من أي أحد كان؛ لكن هذا ليس بمحل بحث الآن، البحث فيما يتعلق بالأحكام الشرعية التي تحتاج إلى تبيين، سواء كان ذلك على سبيل الفتيا، أو على سبيل التعليم للعلوم الشرعية، أو على سبيل الحكم، أو غير ذلك، أو على سبيل تبيان هذه الأحكام الشرعية للغير، نعم، فإن العدالة شرط مهم لا ينتبه إليه كثير من الناس، نعم؛ لأنها تشمل ما يتعلق بحُسْن المسلك، واستقامة السلوك، والصلاح في الأحوال ظاهرًا وباطنًا، والبعد عن الهوى، والبعد عن التعصُّب، اتباع الحق، والتجرُّد ممَّا يمكن أن يَصرِفَه عن اتباع الحق متى ما ثبت له ذلك من الأهواء النفسية، ومن الشهوات، ومن الانتصار للنفس.
فالعدالة هي التي أُوتِيَ منها كثير من الناس اليوم، نعم؛ فتجد أن هناك من يمكن أن يتصدر للفتيا، وهو بعيد عن الصلاح والاستقامة والمروءة، ومع ذلك يُقْبِل عليه الناس ويتابعونه، وما دَرَوْا أن هذه الأمانة إن لم يؤدِّها مَن هو أهلٌ لها، فإن قدرًا من الخلل يُصيبها.
وبعد ذلك –أيضًا مما يتصل بالشروط– ما يتعلق بأحوال من يُؤخَذ عنه، وأقصد بالأحوال ما تعتري البشر من أحوال؛ فمما يُنَبِّه عليه العلماء أنه إن كان في حالِ شدةِ تعبٍ –على سبيل المثال– أو اعتراه غضبٌ لأمرٍ كما يَعْتَرِي سائر الناس، نعم، أو كان في مَخْمَصَة، أو كان في مَسْغَبَة، ويأتي إليه من يستفتيه في مثل تلك الأحوال، فهذه من الحالات التي يُحَذِّر منها العلماء، أنه لا ينبغي أن تُؤخَذ الفتيا في مثل هذه الأحوال، نعم.
… فهذه أحوال يمكن أن تعتري أيَّ أحد؛ فإذا كان القاضي لا يقضي وهو غضبان، فكذلك المفتي.
بقي أن يُنْظَر فيما يُفْتِي، فيما يُؤخَذ عنه: هل هو مما يتعلق بما لا يَسَعُ الخلافَ فيه، أو أنه مما يَسَعُ فيه الخلاف؟ نعم.
فإن كان مما لا يَسَعُ الخلاف فيه، فليس هناك من الضوابط ما يمكن أن يُقال: إن المسألة مُحْتَمِلَة، ويمكن أن يَلْجَأ السائلُ إلى عالمٍ آخر، لأن المسألة في ذاتها لا تقبل خلافًا، لا تحتمل، هي من أمهات مسائل الدين، نعم، من الثوابت.
أما إذا كانت مما يحتمل الخلاف، مما فيها سَعَة ومجال للرأي، فهنا تتعدد الأنظار؛ لا يلزم أن يكون أهل العلم كلهم على قول واحد؛ نعم، مما يطلبه الناس: يسألون في فروع، ويقولون بأن أقوال من سألوهم من أهل العلم اختلفت، ويتعجبون من مثل هذه الحالة… إذ الصحيح أن هذه المسائل تختلف فيها الأنظار، تتفاوت فيها الاجتهادات؛ قد يبلُغ أحدَهم دليلٌ لا يبلغ الآخر، قد يثبت عنده ولا يثبت عند غيره، قد يؤوِّله هو لاطِّلاعه على أدلةٍ أخرى يحتاج أن يجمع بينها –فيما يُعْرَف بالترجيح بين المتعارِض من الأدلة في الظاهر– بينما الآخر يقدِّم دليلًا على آخر… فهذه كلها تنتهي إلى أن تكون الآراء في مثل هذا النوع من المسائل التي فيها سَعَة متنوِّعةً متعدِّدة، وهذا لا إشكال فيه، مما ينبغي أن يكون سببًا لاجتماع الكلمة، ولبَيَان السَّعَة في هذا الدين والمَرُونة فيه، لأنها مسائل اجتهادية مبنية على الرأي والنظر.
… والله تعالى أعلم.