⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، هي قد تسبِّب تسريح الناس من أعمالهم، لا أقول: لا، بل هي قد تسبِّب تسريح الناس من أعمالهم، لكننا –يا أخي– هنا لا بدَّ من أن نوازن بين أمور متعدِّدة؛ أوَّلها: هذا تسريح لعامل من عمله، وربما يجد –إن شاء الله تعالى– إذا كان يقصد وجه الله تعالى ويترك هذا المكان لوجه الله تعالى سييسِّر الله تعالى له أمرًا، وسيجد عملًا بإذن الله تعالى، لكن هذه مفسدة مقابَلَةٌ بمفسدة قتل عشرات الآلاف؛ أيُّهما يُقدَّم في نظركم؟ هل يُقدَّم أنني أراعي شخصًا –مع أنني من حيث الظروف المعتادة حينما لا تكون هنالك مفسدة كبيرة أقول: إنه يجب أن يُراعَى هذا الأمر، ولا يجوز لإنسان أن يتسبَّب في الإضرار بأخيه بتسريحٍ أو غيره–، لكنني بين خيارين: أمَّا أن يُقتل هؤلاء الآلاف المؤلَّفة: أطفال ونساء وكبار، وكذلك المفسدة الثانية: أن هؤلاء متغطرس وسيبقون على غطرستهم، يسومونهم سوء العذاب، هل سنبقى مع هذه المفاسد العظيمة لأجل أشخاص نحن نُراعيهم –بإذن الله تعالى–؟
لكن أحسب أن هؤلاء الأشخاص أنفسهم حينما يرون تلك المناظر البشعة في القتل من هؤلاء المجرمين سفَّاكي الدماء، ويرون ذلك الإذلال للمسلمين في أوطانهم وبلدانهم التي أقامهم الله تعالى فيها، ويأتي هؤلاء المجرمون، ويبقى الإنسان مع هؤلاء، أي يخدمهم ونحو ذلك، لا أظنه سيفضِّل هذا الخيار.
إذا أنا معي مفسدتان: المفسدة الأولى هي ذَهاب الأرواح والأوطان والتنكيل بالمسلمين والقتل والسفك والدماء والظلم، والمفسدة الثانية لأشخاص، تلك مفسدة أعظم، تلك مفسدة أشد؛ لذلك القاعدة الفقهيَّة تقول: تُرتكَب صغرى المفسدتين في مقابل أن تُدرَأ كبراهما، والكبرى هنا هي درء العدوان الغاشم، والحقيقة أن هذه القضيَّة ليست خاصة بإخواننا الذين في غزَّة؛ هذه تمثِّل هوية المسلمين، هذه تمثِّل –في حقيقتها– ردعًا لكل هؤلاء الظالمين عن أن يسوموا المسلمين في شرق الأرض وغربها.
تكفينا هذه التبعيَّة لهؤلاء القوم؛ ما الذي أفادنا هؤلاء القوم؟ تلك هي حضارتهم، تلك هي أخلاقهم، يعني الإنسان يغترُّ ببريق من التمدُّن، ببريق من المخترعات، ثم يأتينا بعد ذلك ليهدم القيم، يهدم الحضارة، ليهدم، ليقتل، ليسفك الأرواح، ومع ذلك بعض المفتونين منَّا يُغريهم أن يرَوْا تطوُّرًا ماديًّا، لكنهم ينسَوْن هذه البشاعة وهذه الحقارة في آخرين؛ ما فائدة أن تتطوَّر ماديًّا إن كنتَ دليلًا لهؤلاء؟ إن كانت هذه الأخلاق التي ترَوْنها تأتينا في كل يوم: المبادئ الهدَّامة وغيرها، في مقابل هذا القتل لإخواننا المسلمين، لإذلال المسلمين، بل لإشقائهم البشرية والإنسانية كلها بمثل الأفكار التي نسمع عنها يومًا بعد يوم: تهدم الأسرة، تخرب كل شيء في حياة الناس، تقتلهم، تُزهِق أرواحهم.
إذا لا بدَّ مِن أن نكون واعِين، هنالك مقاصد عُليا، هنالك أمور أعظم لا بدَّ من أن نُراعيها، وأمر العمل –بإذن الله– أنا لا أقول: إنه هَيِّن، بل أقول: إنه عسير على الإنسان، لكن –بإذن الله تعالى– مَن ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه.
والله أعلم.