⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن الجواب المباشر عن هذا السؤال هو أن المقاطعة مما أرشد إليه هذا الدين الحنيف بأدلة في كتاب الله عز وجل، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيرته العطرة؛ أي: المقاطعة الاقتصادية.
ولذلك فعند نشوب حرب بين المسلمين وغيرهم من أهل الشرك والكفر من أهل العداوة والجبروت، فإن من وسائل دفع العدو قطع سبل الإمداد الاقتصادي. وأصل ذلك في كتاب الله عز وجل في قوله جل وعلا: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: 5]. وكان ذلك في مواجهة بين المسلمين واليهود، وتحدث اليهود أن محمدا وأصحابه صلى الله عليه وسلم، رضي الله تعالى عن أصحابه، أنهم يفسدون في الأرض، فبيَّن ربنا جل وعلا في كتابه الكريم أن ما كان من وسائل قطع الإمداد والتضييق على العدو المحارب إنما هو مأذون به شرعا، وأن في مثل هذا الصنيع الذي أذن الله عز وجل به خِزيا للفاسقين.
وهذا ما سعى إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منذ أن وطئت قدماه الشريفتان مدينته صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه سعى إلى قطع سبل الإمداد الاقتصادي عن قريش والمشركين، واتخذ في سبيل ذلك كل ما يمكنه لمنع القوافل وتحويل التجارة إلى المدينة المنورة. وهذا ما صنعه أيضا في المدينة نفسها حينما فتح سوقا للمسلمين، كانت مستقلة عن سوق اليهود، وحينما قام في إجراء هذه السوق بأن جعلها سوقا حرة مفتوحة خالية من الضرائب، وحث أصحابه على الاتجار وعلى عرض ثمارهم وزروعهم وسلعهم فيها ليستقلوا عن اليهود الذين وقع معهم معاهدة، وكانت السيادة إليه عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك فإنه لم يغفل عن أهمية البناء الاقتصادي والتضييق على العدو، أما أن يكون العدو كامنا أو أن يكون العدو قائما محاربا.
ومن سيرته أيضا العطرة عليه الصلاة والسلام أنه أقر ما فعله أبو جندل وأبو بصير، وكان إسلامهما في الفترة إبَّان توقيع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لصلح الحديبية؛ أما أبو جندل فكان قبيل التوقيع حتى إنه أتى ولما يوقِّع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الصلح، ولكن مع ذلك تمسكت قريش، تمسك المشركون بما في الصلح من معاهدة، فرُدَّ أبو جندل، والتحق بسيف البحر، فكان يقطع القوافل عن قريش. ثم بعد ذلك أيضا أسلم أبو بصير، ولحق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة المنورة، فبعثت إليه قريش برجلين يعيدانه تنفيذا لما كان في الصلح، فرجع معهما، إلا أنه فعل فعلته بأحدهما ـ وليس هذا محل البحث الآن ـ ثم التحق بصاحبه، التحق بأبي جندل، فكانا يقطعان طرق القوافل عن المشركين.
وهذا ما فعله ثمامة بن أثال، وهو سيد قومه بني حنيفة، في طرق القوافل من الشام، خاصة فيما يتعلق بالحبوب والثمار.
فلا يأتي اليوم أحد ويجادل في مشروعية المقاطعة، ولا يمكن أيضا أن يجادل في أثرها؛ فإن أثرها بالغ. فهذه الشركات الداعمة للكيان الصهيوني والتي لا يخفى أمرها على أحد ـ ليس حديثنا في بعض الشركات التي لم يتضح أمرها بعد، وهذه باختصار شديد فمقاطعتها أولى وأسلم ـ وإنما الحديث عن الشركات التي صرحت، وعُلم حالها أنها مؤيدة داعمة، وأنها للكيان الصهيوني، وأنها تخصص نصيبا من أرباحها، وأنها توفر لهم ما يحتاجون إليه من إمداد، سواء كان ذلك في الأغذية أو في المشروبات أو في الملابس أو في العتاد العسكري أو في غيرها؛ فإن كسر شوكتهم بالمقاطعة الاقتصادية التي يستطيعها الأفراد، والتي يكون الأمر فيها إليهم، ليسوا بحاجة إلى إذن من جهة، لأن هذا فعل للأشخاص أنفسهم فيما يشترونه ويقتنونه، وفي السلع التي يختارونها، فمرجع هذا الأمر إليهم.
فقَطْعُ هذه الشركات هو من الجهاد بالمال، من التضييق على العدو الغاشم الذي اعتدى بكل إجرام ووحشية على إخواننا في غزة وفلسطين وفي لبنان وفي كثير من بلاد المسلمين، فلا أقل من أن يقوم المسلم بواجب المقاطعة، وأن يتنبه لهذه السلع الداعمة للكيان الصهيوني، وأن يعلم أنه يستند في ذلك إلى أدلة من كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن سيرته، ومما فعله أصحابه رضوان الله تبارك وتعالى عليهم وأقره هو عليه الصلاة والسلام، وأن في ذلك نَكاية بالعدو، وقطعا لسبل الإمداد الاقتصادي، وزعزعةً لأمن هذه الشركات الداعمة للكيان الصهيوني، وفيها رفع لمعنويات إخواننا المستضعفين، وفيها بعث لرسالة للعالم أجمع أن هذه الأمة أمة حية، وأنها يشد بعضُها بعضا، وأنها إزاء مواجهتها لعدوها فإنها تقف صفا مرصوصا ويدا واحدة، وأن يوقن الناس أن ذلك من أسباب استمطار رحمة الله عز وجل ونصره لعباده المستضعفين.
فهذا مما هو متاح في أيدي الناس، ويحمل كل هذه المعاني والدلالات، ويستند إلى هذه الأدلة الشرعية، فلا التفات إلى ما يزعمه المثبِّطون والمتقاعسون، والظن بأن شيئا من هذه الوسائل المشروعة في ديننا الحنيف لا يأتي معه شيء من التكليف ظن خاطئ أيضا؛ فهذا الدين دين واقعي يتعامل مع هذه الأمور بواقعية، لكنه يغلب المصالح العليا للأمة، ويغتفر المضارَّ الصغيرة.
فدعوى البعض بأن بعض هذه الشركات تشغل عددا من العمالة الوطنية، هذه مزاعم فارغة؛ لأن الصحيح أن هذه الشركات الكبرى لا تشغل عمالة وطنية، تشغِّل نَزْرا يسيرا ونسبة قليلة من العمالة الوطنية، وهذه حقيقة يدركها كل أحد من المطاعم والمقاهي بهذه العلامات التجارية المعروفة المؤيدة إلى الشركات الكبرى في مختلف أنواع السلع والخدمات، فإنها لا تشغل عمالة محلية وطنية إلا بمقدار يسير، ولعلها في بعض الوظائف فقط.
ومع ذلك فليس شيء من التكاليف الشرعية، ليس شيء مما أَمرنا الله عز وجل به إلا وفيه قدر من التكليف المقدور عليه المستطاع، وهذا ابتلاء لنا؛ فالحياة ابتلاء: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. هذه العبادة استقامة والتزام وتدين وصلاح وأمر بمعروف ونهي عن منكر، هذه كلها وراءها تكاليف، لا بد أن يحمل المرء نفسه عليها، وأن يتحمل تبعاتها، وأن يوجد الحلول.
إذا كانت هناك منتجات محلية فينبغي أن تُشجَّع، وأن تُنشَأ شركات وطنية لإيجاد البدائل المناسبة لهذه السلع والخدمات والمنافع التي كان يتحصل عليها من تلك الشركات الداعمة، فهذه فرصة مواتية لأرباب الأموال ولأصحاب العقول والمهارات لكي يبدعوا ويبتكروا، ويوجدوا صناعات وسِلعا محلية وطنية، وأن ينشئوا شركات وطنية، وأن يشغلوا فيها الشباب العمانيين والعمالة الوطنية، فهي فرصة مواتية، أما الظن بأن بعض الشركات ستتضرر، بعض الموظفين، فهذه قد أجيب عنها فيما مضى.
والله تعالى أعلم.