⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
ما رايكم في من لا يقاطع المنتجات الداعمه للكيان الغاصب؟
اقول ايها الاحبه: ليس من شيم المسلم ان يعد نفسه رقما لا قيمه له في ميزان الحق والباطل، ليس من شيمه المؤمن ان يعد نفسه خارج معادله نصره الحق، ولا يحقرن المؤمن شيئا في ان يقدمه لوجه الله سبحانه وتعالى، لا ينبغي للمؤمن ان يحتقر جهده ابدا.
الله تعالى يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّهٍ﴾، نكره "كل قوه"، يجاهد بها الانسان وينصر بها الحق ويعلي كلمه الله تعالى، هي من الجهاد، ولو بالكلمه، ولو بالدعاء، بل اقول: ولو بتربيه الابناء، ولو بالتجاره.
انا اخاطب التجار واقول: يا معشر التجار، جاهدوا في سبيل الله تعالى بنجاحكم في التجاره؛ نجاحك ايها التاجر هو جهاد في سبيل الله. اذا نجحت في تجارتك ايها التاجر المسلم، من سوف يزكي لو نجح الكافر ونجح المسلم؟ من الذي يزكي؟ من الذي يظهر الوجه المشرق للمسلمين في عالم التجاره؟ الم يكن اسلافكم ايها الاحبه دعاه الى الله تعالى، وكانوا تجارا، الم يصلوا الى اقاصي الدنيا وهم تجار لكنهم قدموا النموذج الاسلامي في افريقيا وفي اسيا قدموا النموذج الاسلامي؟
ولذلك التاجر وهو يخرج من بيته متوجه الى المتجر، متوجه الى شركته، ويقصد وجه الله تعالى ان يعز نفسه وان يعف وعياله وان يعز دين الله تعالى وان يظهر الحق وان يستغل الموارد، كل تلك قربات ايها الاحبه، قربات الى الله سبحانه وتعالى.
ولذلك يقول الفقهاء: تجاره النيات؛ هذه تجاره النيات، لا يذهب الى متجره او الى شركته وهو قاصد فقط المال، بل يقصد ان يعز نفسه وان يعف ابنائه وان يعز دينه، وان كلها نيات يمكن ان يتقرب بها الى الله سبحانه وتعالى.
ولذلك اقول: لا يجوز ان يحتقر هذا الجهد.
الله سبحانه وتعالى نعى على المنافقين انهم كانوا يحتقرون الذين يجتهدون بالشيء اليسير: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ لماذا كانوا يسخرون ممن يقدم اللقمه ويقدم الكف من القمح في سبيل الله تعالى، فيقولون: ما هذا جهدهم؟ وما تدري: سبق الدرهم 1000 درهم، قد يتصدق بشيء يسير من المال، ولكن ذلك جهده، قد يسبق الملايين التي يقدمها الغني والتي هو مستغن عنها.
ولذلك لا نحقر ابدا شيئا من ذلك.
وانا هنا اتساءل عندما نتحدث عن المقاطعه: هل الذي لا يقاطع –وربما في بعض الاحيان يجادل في المقاطعه– لا يقتصر على انه لا يقاطع هو بنفسه، لا، بل يدعو الى عدم المقاطعه؟
انا اتساءل: هل هو ضد المقاطعه بسبب عدم اقتناعه انها ليست ذات جدوى، انها ليست مؤثره في نصره القضيه الفلسطينيه؟ او هو في الواقع غير قادر على ان يتخلص من هوسه بتلك السلع الاستهلاكيه، فيبرر لهذا الهوس وهذا التعلق الشديد لتلك السلع بان المقاطعه لا قيمه لها، او لديه بعض الشبهات في فهم فلسفه المقاطعه؟
في كل هذه الاحوال انا اقول: لا يليق بالمؤمن ان تكون هناك دعوات في اقاصي البلدان غير المسلمين، قبل يومين من الان مجلس مدينه اوكسفورد يقر المقاطعه نصره للقضيه الفلسطينيه، قبل يومين صادق على ذلك عمده اوكسفورد. عندما نتحدث عن صندوق سيادي –اكبر صندوق سيادي في العالم وهو صندوق النرويج– يسحب استثماراته من العدو المحتل، تقدر بمئات الملايين، عندما نجد ان كثيرا من الناس بداوا يدعون الى المقاطعه من غير المسلمين، ياتي مسلم وهو الذي يهون في مساله المقاطعه!
دعوني اختصر الحديث حتى لا ياخذ وقتا طويلا في مساله المقاطعه:
اولا: هذا الذي لا يدعو للمقاطعه او يدعو الى عدم المقاطعه، اساله سؤالا: هل ترى بان المقاطعه لا تؤثر؟ هنالك كتاب الفه كاتب غربي –ستيف كرواسو– عنوانه "شعوب حررت نفسها"، يقول فيه: ان معظم حركات التحرر بدات من الاقتصاد والتحرر الاقتصادي، والاسباب التي دعتهم الى التحرر اسباب اقتصاديه، فهنالك تاثير كبير للمقاطعه حتى في توجيه السياسات.
ثم ذكر قصه وقعت في الثمانينات في اوكسفورد، حيث شن طلاب اوكسفورد حمله مقاطعه على بنك باركليز البريطاني بسبب استثماراته في جنوب افريقيا ابان نظام الفصل العنصري، فخُفضت اسهمه من 27% الى 15% حتى اجبر البنك على سحب استثماراته عام 1986، وكان ذلك ممهدا لتحرر جنوب افريقيا من هذا النظام، دلاله على قوه المقاطعه.
وذكر ارقاما عن خسائر بعض الشركات العالميه (كمكدونالدز وكوكاكولا) بنسب مئويه بسيطه لكنها تعني مليارات، مما يدل على اثر المقاطعه في الشركات الملياريه، وقال: هذه لغه الارقام، فلا ينبغي ان يكون الحديث على عواهنه.
اما ان كان هذا الانسان ضد المقاطعه بسبب هوسه وتعلقه الشديد بهذه السلع، لانه لا يستطيع ان يتحرر من شرب هذه العلامه التجاريه، لديه نوع من التعلق والهوس الشديد بما يسمى بالبراند، يستهلك السلعه لا يلاحظ فيها المتعه او الاستفاده من السلعه بقدر ما يلحظ فيها انه يستخدم هذه العلامه التجاريه؛ وهذا ما يسميه الدكتور عبد الوهاب المسيري "السعار الاستهلاكي"، ويعبر عنه في موضع اخر بـ"الامبرياليه النفسيه"، ومعناه انه فقط يريد ان يستهلك، اما غيره مقاطعه نصره حق فهذا امر لا يعنيه؛ هذا استبداد نفسي.
فينبغي للانسان ان يتحرر من هذا الامر، وان يعلم بان المؤمن يجاهد بكل ما يستطيع من ادوات الجهاد.
اما النقطه الاخيره التي يتحدث عنها بعض الناس: بان هذه المقاطعه قد تضر ببعض المسلمين العاملين في بعض الشركات الداعمه؛ الجواب قبل ان نبدا بالتحليل الاقتصادي نتذكر قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَهً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ هذه الايه في سياق منع المشركين من دخول مكه المكرمه، فقال بعض الناس: المشركون ياتون ونستفيد منهم تجاره، فاذا منعتم المشركين سقطت تجارتنا او نقص ربحنا، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَهً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ هذا ايماننا.
وان اردنا ان نحلل اقتصاديا، فهذا مظهر من المظاهر الصحيه فيما يسمى بتطهير السوق لذاتها؛ معنى ذلك ان هذه المقاطعه كشفت عوار كثير من الشركات التي كانت تحتكر وصول المنتجات الى بلداننا، هذه الشركات لا يقتصر عملها على اغراق سوقنا بتلك المنتجات، بل هي تزيح كل منافس.
ولذلك ظهرت البدائل من تحت الارض، بدائل افضل وارخص سعرا وامنا من الناحيه الصحيه والشرعيه، لان السوق كان قد عُمِّي عليه بالدعايه الاعلاميه التي تروج لعلامات تجاريه معينه. فهنالك تاطير لعقليه المستهلك، وضرب مثالا مخيفا: 80% من تجاره الغذاء عالميا تسيطر عليها خمس شركات فقط حول العالم.
ثم ذكر تجربه بعض التجار الذين عرضت عليهم شركات مقاطَعه ان تعطيهم السلع مجانا ليعرضوها في المحلات حتى لا تغيب عين المستهلك عن الشعار والعلامه التجاريه، ووصفها بانها حرب نفسيه ودعايه اعلاميه وبروباجندا تسيطر على الناس وعلى نمطهم الاستهلاكي.
فالخلاصه: لا يليق بالمؤمن ان يهون شان المقاطعه، ولا ان يكون ضدها، بل عليه ان يجاهد بقدر استطاعته، وان لا يحتقر جهده، وان يثق بوعد الله في الرزق، وان يعي اثر المقاطعه الواقعي في الضغط الاقتصادي على الظالمين.