⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أنا أجيب –بما أن جلسة الإفتاء هذه للرجال– أجيب عليها ببساطة، أجيب عليها بما يخص الرجال والنساء، بمعنى أن القصور من قبل النساء في حضور المحاضرات... دعونا نضع المسؤولية في هذا الجانب، ونقول: إن للرجال سببًا، وإن للنساء سببًا، أي أن الرجال يتحملون فيه من المسؤولية، والنساء يتحملن فيه من المسؤولية.
فالقضية في مثل هذا الحضور قضية مجتمعية، أي أنك لا يمكنك أن تصلح النساء ولا أن تصلح الرجال لأجل حصول حضور مجالس الذكر إلا حينما يكون هناك مشترك من قبل أهل المسجد كلهم لأجل أن يكون مجتمعهم وحيّهم مجتمعًا متصلًا بالله سبحانه وتعالى.
التربية للأبناء واجبة، التربية على معاني الفضيلة وعلى الخير، وجوبها على الأب وعلى الأم، كما أن وجوبها أيضًا على المجتمع. أُقصِّر من ذلك: أنك وإن أردت أن تقوم بالواجب في هذه القضية في تربية الأبناء لأجل أن يكونوا صالحين، فإن هذا الواجب الذي تقوم به، فإن هذه الأعمال التي تتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى لن تؤتي ثمارها، لن تنال أنت خيرها، ولن ينالها أبناؤك فعلًا، لن تنال خير هذه الأعمال ما دام بقية الناس لا يوافقون أولادهم على الصلاح.
أنت بينك وبين ابنك فارق من السنين ما يقضي بأن يكون الابن متناسقًا معك في أفكاره، لكن الابن –كما تعلمون– له توجهات معينة يقضي عليه بها سنُّه ومرحلتُه العمرية، كما أن الأبناء أيضًا في ثقافتهم يختلفون غالبًا عن ثقافة الأب. فقد تكون أنت مربوطًا بثقافة زمانٍ مضى، أما ابنك فمربوط بثقافة هذا الزمان، وبينهما فرق. إن لم يكن الأب أو أولياء الأمر مطلقًا متابعين لهؤلاء الأطفال في ثقافتهم، إن لم يكن يمضي ويعرف كل ما يفكر فيه ابنه، نعم إذن هناك سبب يجعلان ابنك قد لا يستمع إليك في أحيان كثيرة.
الابن –كما تعلمون– قد يقضي ست ساعات أو سبع ساعات في المدرسة مع زملاء الدراسة، بعدها يرجع إلى البيت، قد تجلس معه في فترة الغداء إلى وقت العصر، في وقت العصر كثير من الأبناء، كثير من الأولاد –ذكورًا كانوا أم إناثًا– يخرجون يلعبون مع أبناء حيهم، أو يصاحبون غيرهم، وفي المساء كذلك، فأنت حينما تلتقي بأبنائك قد تلتقي بهم في وقت الوجبات، وإن كنت قد وضعت وقتًا معينًا تجلس فيه مع أبنائك، إذن الآن معنا مجتمع يقضي فيه ابنك سبع ساعات أو يزيد، ومجتمع أيضًا هو قريب من ابنك من حيث التفكير، وهنالك دورك أنت الذي تختلف مع ابنك في السن، والذي لا تجلس مع ابنك كثيرًا. أيُّ المجتمعين يجلس معه أكثر؟ يا ترى في مثل هذا الظرف من هو المؤثر الأقوى على سلوك الابن؟ من هو المؤثر الذي يمكن أن يؤثر أكثر؟ لا شك أنه المجتمع.
وفي هذا السياق، حتى نكون واقعيين، الالتزام بالشريعة من قبل الكبار والصغار يمكن أن يرجع إلى جهد الإنسان بنفسه، وإلى سعيه لتثبيتها وللقرب من الله سبحانه وتعالى، لكن الدور الأكبر في التزام الإنسان يعود إلى الوسط الذي يوجد فيه الإنسان، هذا هو الدور الأكبر. أنت في كثير من الأحيان في تصرفاتك تتصرف تصرفات معينة أنت لا تلتفت إليها، لكنها موجودة فيك من قبل التأثر بالوسط الذي توجد فيه. فالوسط الذي يكون ملتزمًا بدين الله لا شك أنه سيؤثر على هؤلاء الموجودين فيه، أما الوسط الذي يكون بعيدًا عن الله فقد لا يشعر الإنسان معه أنه يخالف أوامر الله، لا يشعر أنه يخالفها، لأن الأمور التي يعتادها الإنسان –كما تعلمون– لا يدرك معها سيئاتها، وحب الشيء يعمي ويصم.
بذلك فالتزامك أو التزام ابنك ليس بجهدك فقط، بل هو ابن الوسط الذي يوجد فيه. موسى عليه السلام –كلنا ندرك أنه نبي من أنبياء الله تعالى، مسدد بالوحي، معصوم بعصمة الله سبحانه وتعالى– ومع ذلك حينما أمره الله تعالى بأن يذهب إلى فرعون: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾، ماذا قال موسى؟ قال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾، هذا اللجوء إلى الله تعالى، هذه المرحلة الأولى لالتزام أي إنسان، أن يكون الله تعالى أقرب الأبواب إليه.
ثم قال بعد ذلك: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فهو سيذكر الله كثيرًا مع أنه نبي، وسيُسبّح الله كثيرًا إذا استجاب الله تعالى له طلبه: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾.
هنالك تعليم للنبي صلى الله عليه وسلم، نحن الآن لا نتكلم عن عموم الناس الذين هم أدنى من هؤلاء بمراحل، وإنما نتكلم عن المصطفين الأخيار، قال له الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، المأمور هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصبر نفسه مع أولئك الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾.
هذا من حيث عموم الصالحين يأمره بأن يبقى معهم، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي الجانب الآخر نزلت سورة «عبس وتولى أن جاءه الأعمى»، أي أنها تعاتب النبي صلى الله عليه وسلم عتابًا باقيًا نتلوه نحن المؤمنين إلى يوم القيامة، وهو عتاب لنبينا صلى الله عليه وسلم، لماذا؟ لأنه صلى الله عليه وسلم التفت إلى أولئك المشركين قبل أن يلتفت إلى من جاءه –وهو عبد الله بن أم مكتوم– يطلب الإيمان. كان اجتهادًا منه صلى الله عليه وسلم، لم يقره عليه الشرع.
المهم: لماذا هذا الكتاب؟ ولماذا هذه الأوامر من قبل الله لموسى، ولنبيِّنا صلى الله عليه وسلم، وللأمة تباعًا؟ هذه الأوامر تشير إلى أن إيمانك، وأن التزامك، وثباتك على الصلاة، إنما هو بتبدل الوسط الذي تكون فيه. ما دام هذا الأمر للكبار المصطفين الأخيار، فأبناؤنا الحال نفسه، أبناؤنا لن يصلحوا، أبناؤنا لن يلتزموا إن كان أبناؤنا يغشَون مجالس المنحرفين، إن كان أبناؤنا يغشَون مجالس أولئك الذين ليس لهم من يذكّرهم بدين الله تعالى، لأن الأب في مكان ولأن الأم في مكان آخر.
إذن حتى تُصلح أبناءك فإن عليك أيضًا أن تُصلح أبناء المجتمع، لأنك حينما تبني شيئًا في ابنك في وقت الصباح –قد تجلس معه بتلاوة كتاب الله، قد ترسله إلى شيء من الخير في هذه الحياة– فاعلم أن صحبة السوء ستهدم كل ما بنيته أنت في لحظة واحدة، لأن أولئك يدعون إلى شهوة النفوس، والنفس تميل إلى ما يُشير إلى أمر محبوب إليها، لذلك الذهاب إليها يكون يسيرًا، في حين أن أوامرك بالتزام الفضيلة والبقاء معها هذا أمرٌ محصور على النفس.
لذلك ها هنا حينما نتكلم عن تربية الأولاد، حينما نتكلم عن دور الأمهات، حينما نتكلم عن قصور النساء، لا أتكلم وأتوجه بالنصيحة إلى هؤلاء النسوة فحسب، بل أقول: إن المجتمع كله مقصر. لو لم يكن المجتمع مقصرًا لما قصرت هؤلاء النسوة، لو لم يكن المجتمع مقصرًا في العناية بالأبناء لما كان هناك أبناء لا يأتون المساجد، لو لم يكن المجتمع مقصرًا في العناية بالعلم الشرعي في المجتمع كله لما كان هناك أناس يأتون من الأعمال ما يدرك الإنسان أنه لا يليق بدين الله تعالى بعد أن تعلموا، وبعد أن مُنحت لهم وسائل المعرفة.
لذلك فأقول في مثل هذا السؤال –وفي غيره– إن هذا التقصير ليس من قبل النساء وحدهن. نعم، عليهن واجبات في درجات معينة. الواجب الأول أن يُعنَى المرء بنفسه، فأنت ستحاسب بنفسك يوم القيامة عن أعمالك، لأنه لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أعماله.
أما الأمر الثاني: بعد أن تتحقق بنفسك من التزامك، هناك يأتيك الواجب الآخر، وهو عنايتك بأسرتك، لأن «كلُّ من استرعاهُ اللهُ تعالى رعيَّةً، ثم مات وهو غاشٌّ لرعيَّته حرَّم اللهُ عليهِ الجنَّةَ، وأوجب له النار».
الأمر الثالث: أن يكون هناك اجتماع من قبل أبناء الحي، وعندنا بيوت الله تعالى في الأرض، عندنا المساجد، نجتمع فيها مع أبنائنا، مع مجتمعنا، نقيم فيها من البرامج والأنشطة التي نستطيع –بإذن الله تعالى– بها أن نُقرِّب قلوب أبنائنا إليها، أن يحبوها، أن يحبها أبناء المجتمع بإذن الله تعالى.
أنا أدرك عن كثير من الآباء الحساسية المفرطة عندما يرتكب الأبناء الصغار بعض الأخطاء في المساجد. نعم، مساجد الله تُصان قدر الاستطاعة من مثل هذه الأخطاء، لكن لا يعني ذلك أن يكون هذا الحرص مؤديًا إلى أن نزرع شعور البغض للمساجد في قلوبهم، إلى أن ننفرهم من أن يقصدوا هذه البيوت.
نحن لا نعالج الخطأ بخطأ، وإنما نسعى قدر الاستطاعة إلى تربية الأبناء. النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد جاءه أعرابي يبول في زاوية من المسجد، الصحابة –بحكم غيرتهم– جاءوا إليه، أي أنهم يزجرونه، فقال صلى الله عليه وسلم: «دعوه، وأريقوا على بوله ذَنوبًا من ماء»، ثم جاء إلى الأعرابي فقال له بالتي هي أحسن، علَّمه برفق. فقال ذلك الرجل في موقفه ذاك: «اللهم ارحمني ومحمّدًا، ولا ترحم معنا أحدًا»، أي أن أولئك الذين نهروني اللهم لا ترحمهم؛ لما رأى من المعاملة الحسنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أنا أؤكد أننا لو رأينا صبيًّا الآن –جميعنا الموجودون هنا– يفعل هذا الفعل في المسجد، فإن نفوسنا تستفز، ونرفع أصواتنا، لكن المعاملة ليست هكذا، أنا أريد أن أوصل سلوكًا حسنًا في قلب الصبي، ولن يكون هذا السلوك الحسن إلا بالقول اللين.
لذلك نستطيع –بإذن الله تعالى– أن نجمع المجتمع كله، سواء كان القصور من النساء أو من الرجال، ويقف المرء عند حدِّه في هذا الأمر، ونستطيع أن يكون مجتمعنا مجتمعًا صالحًا بإذن الله تعالى. أما مع التفرق: يأتي الإنسان إلى المسجد ويصلي أربع ركعات، ثم بعد ذلك يرجع إلى بيته، لا يسأل عن مجتمع، ولا يسأل عن حال، فلن يكون مجتمعنا صالحًا. وهكذا لن تكون جهودنا في أبنائنا خاصة مثمرة، لأنها ستهدم عند أول خروج للأبناء من البيت.
نسأل الله تعالى أن يأخذ بأيدينا وبقلوبنا وقلوب أبنائنا، وأن نكون صالحين، وأن نكون أقرب إلى الله تعالى.