⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الجواب: ليس هنا البحث في الاستحقاق، هو: إن كان الخطأ من الطرف الآخر، وأصابته جراحٌ استحقَّ بموجبها تعويضاً، فلا إشكال في الاستحقاق شرعاً وقضاءً، هو مستحقٌّ للتعويض بحسب الجراحات والضرر الذي أصابه، ونتحدث عن ضررٍ مادي: جراحات، إصابات، كسور، تلفُ بعضِ الجوارح، إلى آخر الإصابات التي تصيب الناس في الحوادث عادةً –نسأل الله تعالى السلامة للجميع– فهو مستحقٌّ للتعويض من المخطئ.
لكن محل الإشكال الذي يذكره السائل هو كون هذا التعويض يتحصل عليه من شركات التأمين، وفي هذه الحالة نعم المسألة فيها حرج؛ الأصل أن الخطأ إنما يتحمَّله المخطئ إذا كان فيما دون النفس، وإذا كان في النفس فهو على العاقلة، في القتل الخطأ فإنه على عاقلة المخطئ، وفيما دون النفس فإنه على المخطئ.
ونحن نعلم أن عقود التأمين هي عقود فيها كثير من الغَرَر الذي لا يُغتفر، وفيها جهالة فاحشة، فالحكم فيها أنها عقود غير موافقة للشريعة، وبالتالي فالذي يحصل على أموالٍ منها يحصل عليها بسببٍ فاسد، أصلاً هذا العقد ليس بعقد صحيح، هو عقد فاسد شرعاً، فالأصل أنه ليس له إلا مقدار ما دفعه لشركة التأمين، الأصل هكذا: ليس له إلا مقدار ما دفع المخطئُ لشركة التأمين.
لكن هذا ليس من محل السؤال، ما زاد عن ذلك: هل يسوغ له أن يأخذ، وقد أصابته هذه الجراحات؟ إذا ما حُكم له من جهة قضائية، هل يسوغ له أن يأخذ من شركة التأمين؟
هناك اتجاهان:
الاتجاه الأول يرخِّص له في الأخذ، بناءً على أنه مستحق، وأنه غير مسؤول عمَّا تعلَّق بذمَّة الطرف المخطئ؛ المعاملة بين المخطئ وبين شركة التأمين، وهو غير مسؤول عن هذه الذمة، هو مسؤول عن ذمته، والعقد الفاسد هو بين المخطئ وبين شركة التأمين، وهنا لا يُسأل هذا المتسبِّبُ عن مصدر هذا المال، ولو أحاله إلى شركة التأمين، فإن بعض الفقهاء –أو هؤلاء– يقولون بأن هذه حِوالة، وبالتالي فله أن يأخذ من الجهة المُحال إليها، وهي شركة التأمين، لأنه لا يسري إليه حكم العقد الذي بين المؤمِّن والمؤمَّن له، بين شركة التأمين وهذا الذي أخطأ. هذا الاتجاه الأول وهو اتجاه مُرخِّص.
الاتجاه الثاني يمنع؛ لماذا؟ لأن ما بُني على فاسدٍ فهو فاسد، والآثار تترتَّب على العقود الصحيحة شرعاً، إذا كان العقد صحيحاً شرعاً يترتب عليه أثرُه، أما إذا لم يكن صحيحاً فلا يترتب عليه أثر، وهنا الفساد في هذه المعاملة ليس في شرط من الشروط التي يمكن بحثها أو تعديلها وتصحيحها، وإنما هو في ذات التعاقد، ولذلك فإن هذا الاتجاه يمنع؛ إلا إذا سُلِّم إليه في يده، سُلِّم إليه من المحكمة، من الادعاء، من الشرطة، من المتسبِّب نفسه، فهنا يسعه أن يأخذها.
هذان هما الاتجاهان السائدان، لكن هناك اتجاهٌ وسط، نظراً لما يؤول إليه حال الناس من الضيق في مثل هذه الحالات، وقد يتكلفون مبالغ، وقد يحتاجون إلى السفر، وقد تتعطل مصالحهم، إلى غير ذلك، فرُخِّص للفقير، لمن كان في حاجة، أن يأخذ في هذه الحالة، طالما أن الخطأ من الطرف الآخر، ولم يتسبب هو في ذلك الخطأ، وعدُّوا هذا الأمرَ واسعاً، وهذا هو التوسط: من كان في غِنى ولا حاجة له فليتورَّع، ومن كان في حاجةٍ ويتكلَّف، ويجد مشقة في الترك، في علاج نفسه وعودِ أسرته، يسوغ له أن يأخذ بإذن الله تعالى.
والله تعالى أعلم.