⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أولًا لنقرِّر الأحكام الشرعية المتعلِّقة بالنفقة: فكتاب الله تعالى ناطقٌ بأن النفقة واجبٌ على الرجل لامرأته، وليس العكس.
ربُّنا جل وعلا يقول: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: 34]، ويقول كذلك سبحانه وتعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ﴾ [الطلاق: 7]، ولما تحدَّث القرآن الكريم عن المولود وحقوق هذا المولود وحقوق الأم قال: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ –أي: الأب الذي هو الزوج– ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233].
فكتاب الله عز وجل ينصُّ على أن الإنفاق على الزوجة واجبٌ شرعيٌّ على الرجل تصريحًا وتلويحًا، وهناك آياتٌ أخرى كثيرة تدل على ما تقدَّم.
سنَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كذلك ناطقةٌ شاهدةٌ بأن الإنفاق واجبٌ على الرجل لامرأته؛ ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم في خطبة الوداع: «اتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهنَّ بكلمة الله، واستحللتم فروجهنَّ بكلمة الله، ولهنَّ عليكم رزقُهُنَّ وكسوتُهُنَّ بالمعروف». فهذا يعني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في آخر ما يوصي به عباده المؤمنين يؤكِّد على أن النفقة بالمعروف، مما تحتاج إليه المرأة وما تحتاج إليه الأسرة، والكسوة إنما هي على الرجل.
كانت تأتيه بعض النساء يشتكين من شحِّ أزواجهنَّ في الإنفاق عليهن، ما كان عليه الصلاة والسلام يوجِّه النساء إلى أن يتولَّين أمر النفقة، وإنما كان يقول: «خُذي من ماله ما يكفيكِ وبَنِيكِ بالمعروف». فلو كانت المرأة هي المعنيَّة لما كان رسول الله صلى الله عليه وآله بحاجةٍ إلى أن يوصي المرأة أن تأخذ –ولو بدون إذن زوجها– ما يكفيها ويكفي بَنيها بالمعروف، دون مجاوزة للحدود.
وعلى هذا أجمع المسلمون أن النفقة واجبةٌ على الرجل، وأنه هو المسؤول عن الإنفاق على البيت؛ "كلكم راعٍ"، الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤولٌ عن رعيته؛ فالرجل راعٍ، وهو مسؤولٌ عن رعيته، والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها، وهي مسؤولةٌ عن رعيتها».
أمَّا موضوع خديجة رضي الله عنها؛ فهذا أعجب استشهاد، وهذا الاستشهاد يدل على أن أولياء هذه المرأة –والخطَّاب إنما هم طامعون في أموالها– وأنهم مخالفون لشرع الله تبارك وتعالى؛ فينتقون بعض الشواهد من سيرته عليه الصلاة والسلام، ويضعونها في غير موضعها.
السيدة خديجة الكبرى رضي الله تعالى عنها كانت تُواسي رسول الله صلى الله عليه وآله من مالها بطيب نفسٍ منها، وبعد أن عقد عليها وتزوَّجها؛ فهي التي بادرت، وأكبر فيها رسول الله صلى الله عليه وآله هذا الموقف النبيل الشريف؛ إذ إنه عليه الصلاة والسلام وصفها بقوله: «لقد آمنت بي حين كفر بي الناس، وأعطتني حين حرمني الناس، وواستني بمالها حين منعني الناس»، والمقصود من ذلك أنها سخَّرت مالها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وللدعوة إلى الله تعالى، ولنصرة رسول الله صلى الله عليه وآله ونصرة المؤمنين، وكان ذلك بطيب نفسٍ منها ومبادرةٍ منها دون طلبٍ من رسول الله صلى الله عليه وآله.
ومع ذلك فقد كان هو القَيِّم على الأسرة، المنفق عليها؛ لكنها لأنها كانت ذات مال فإنها كانت تُواسي، وهذا مما يُحمَد في النساء؛ فلو كان التوجيه بأن تقِف مع زوجها –أي هذه المرأة– بعد أن تتزوَّج الكفء –كما قالت هي: المكتمل الرجولة؛ بمعنى: أن تشير إلى أن يكون قائمًا بحقوق المرأة، قائمًا بحقوق الأسرة، مستعدًّا لذلك– فإنها تُنصَح، تُوجَّه أن تعين زوجها، وأن تقف معه، وأن كانت ذات مال أن تُسانده بطيب نفس، فهذا لا حرج فيه.
لكن أن يُجعَل الأمر وكأن النفقة واجبةٌ عليها، ويُستشهد بموقف السيدة خديجة، فهذا لا صحَّة له، وقد تقدَّم بيان أن هذا مناقضٌ معارِضٌ لما في كتاب الله عز وجل وفي سنَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو مخالفٌ لإجماع المسلمين وعلمائهم عبر القرون المتلاحقة.
هو الله تعالى المستعان.