⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الجواب أصاب حين وصف سورة المائدة بأنها تتحدث عن العهود والمواثيق مع الله تبارك وتعالى، ومع النفس، ومع الآخرين؛ فمتأمِّل في هذه السورة يلحظ هذا ظاهرًا من مبتدأها إلى منتهاها.
وسورة المائدة –قبل أن نصل إلى جواب ما سأل– نتعرَّف عليها؛ لأن في التعرُّف عليها إعانةً لنا على فهم محل السؤال؛ فهي سورة المائدة أجمع سورة في القرآن الكريم للأحكام العملية الشرعية، نعم، من الحلال والحرام، والأمر والنهي، هذا ملحوظ فيها.
ثم إنها امتازت بأنها أكثر سور القرآن الكريم مناداةً للذين آمنوا، فخطاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يتكرر فيها كثيرًا بما لا يتكرر في سورة أخرى، ولعله يبلغ 15 مرة أو أكثر، وهذا مما يميز هذه السورة عن غيرها، وهذا يتناسب مع الميزة الأولى، من أنها أجمع سورة للحلال والحرام والأمر والنهي، نعم.
ثم إنها امتازت أيضًا بأن فيها آية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]، وهذا –مرة أخرى– يتناسب أيضًا مع الخصائص المذكورة فيما تقدم.
وكذلك من خصائص هذه السورة الكريمة أنها السورة الوحيدة التي تعرضت لقصة ابني آدم عليه السلام، نعم، وحادثة القتل، وهذا أيضًا جزءٌ من بناء هذه السورة؛ لما ترتب على ذكر هذه القصة من عبرةٍ وعظات، ولما بُنِيَ عليها من أحكامٍ تفصيلية عملية.
لِمَ سُمِّيَت سورةُ المائدة؟ لذِكْرِ المائدة فيها؛ ما علاقة –وهذا محل السؤال الآن– ما علاقة اسم السورة بموضوع العقود والعهود والمواثيق مع الله تعالى، ومع النفس، ومع الآخرين؟ نعم.
المائدة طلبها حواريو عيسى عليه السلام؛ إذ قال الحواريون: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: 112]، ﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا، وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا، وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا، وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؛ بيَّنوا هنا –بعد طلبهم– بيَّنوا مقاصدهم من هذا الطلب، وهذا البيان هو التزامٌ منهم: ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا، وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا، وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا، وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾.
بعض المفسرين يقول: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ أي أكل بركة، نعم، ومنهم من يقول: الأكل للطعام وللتبرك، ثم: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ اليقين، نعم؛ أرادوا طمأنينة القلب، واليقين بالحس، بمشاهدة حسية، نعم؛ كما أن إبراهيم عليه السلام قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾، ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾، ﴿قَالَ بَلَى، وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260]، نعم، ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ أيضًا علم يقين لا يخالطه أدنى شك، نعم، ثم: ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؛ إذًا قدَّموا التزامات، نعم، قدَّموا عهودًا.
هنا حكى لنا ربنا تبارك وتعالى ما حصل: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: 114]، هذا الطلب، نعم، أضاف أغراضًا: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا، وَآَيَةً مِنْكَ، وَارْزُقْنَا، وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾، نعم، هذا دعاء عيسى عليه السلام، أضاف إليه مقاصد: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا﴾ بمحضرٍ من الحواريين، من قومه، ممن آمنوا به من المؤمنين، ﴿وَآَيَةً مِنْكَ﴾: آيةٍ نراها وتتحقق لهم ما أرادوه، نعم.
هنا نأتي إلى الجواب الآن: هذا الالتزام، والعهود، والمواثيق التي يقدِّمونها، فيأتي العقد مع الله تبارك وتعالى، يأتي الميثاق مع الله تبارك وتعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 115]، نعم، ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ، فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾؛ هذا عقد وميثاق بينه وبين الله تبارك وتعالى؛ طلبتم هذا المطلب، وأظهرتم هذه المقاصد والغايات، فهناك ما يترتب، ولذلك جاء بصيغة التعقيب: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ، فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ، فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾؛ قيل: «العالمين» على الإطلاق، وقيل: عالمي زمانهم، نعم.
فإذا السورة الكريمة سُمِّيَت لهذا الاسم لهذه الدلالة الواضحة في أن المائدة دلالةٌ على عهدٍ وميثاق بين فئةٍ مؤمنةٍ توجهت إلى ربها تبارك وتعالى بطلب ودعاء، واستجاب لهم نبيهم، فتوجَّه إلى ربه تبارك وتعالى بهذا الدعاء، فكان تحقيق هذا الدعاء من الله تبارك وتعالى، وقد رُتِّبَت عليه هذه النتيجة؛ فمعنى الموافقة، معنى المعاهدة، والميثاق، ظاهرٌ جليٌّ في قصة المائدة.
نعم، هذا ما يحتاج إلى معرفته، وإلا فالسورة وهذا السياق القرآني فيه الكثير من العِبَر والعظات، لكن بهذا يتضح رمزية المائدة، ولا –لا أقصد برمزية المائدة أن المائدة كانت شيئًا رمزيًّا؛ نعم، هناك قول عند بعض المفسرين يُنسَب إلى مجاهد، وإلى قتادة، وإلى الحسن، ولكنه خلاف قول جمهور المفسرين؛ بأنهم بعد أن قال لهم ربهم تبارك وتعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ، فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾، أنهم طلبوا الإقالة، نعم، طلبوا الإقالة من الله تبارك وتعالى، وأنه بناءً على ذلك فإن المائدة لم تنزل، نعم، هذا قول –يعني كما قلت– قال به مجاهد، قال به قتادة، قال به الحسن، وانتصر له بعض المفسرين، وإن كان جمهور المفسرين قد رد عليه، نعم.
فلكن لا أقصد –كما قلت– برمزية المائدة أنها كانت رمزًا، وإنما أقصد بالتسمية: التسمية كانت رمزًا لها بهذا الاسم للدلالة على ما اشتملت عليه السورة، نعم، من معانٍ وأحكام ودلالات كلها تدل على المعاهدة والمواثيق مع الله تبارك وتعالى توحيدًا وعبوديةً وطاعةً والتزامًا، والله تعالى أعلم.