⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فقد اصطلح النحاة على تسمية بعض الحروف أنها حروف زائدة، هي زائدة من حيث الصناعة، لأنها من حيث الصناعة جاءت بزيادة على ما اشتمل عليه الكلام من الكلمات، فلذلك قالوا: هي زائدة.
وهذه الزيادة الحقيقة يراد بها التأكيد، أو يراد بها فائدة؛ نعم تعميم في مقام التعميم، أو التخصيص في مقام التخصيص. هذه الحروف لا بد من أن تكون لها فائدة وجدت في القرآن، ومن حسن الأدب أمام كتاب الله تعالى أن لا يقال بأنها زيادة.
من أمثلة ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، وهو السميع البصير. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ الكاف قالوا: هي زائدة؛ لأنها لو لم تكن زائدة لكان النفي لمثل المثل، ولم يكن النفي للمثل، نعم؛ لأن الكاف تفيد التشبيه، فهي تفيد معنى المثل نفسه، نعم، فإن قيل بأنها أصيلة، يلزم أن يكون النفي لمثل المثل لا أن يكون النفي للمثل.
بينما الذين يذهبون إلى خلاف هذا، ويجردون القرآن الكريم من الزيادة، ويقولون بأنه لا يجوز أن يقال: إن أي حرف من حروف القرآن الكريم هو الزائد، يقولون بأن الكاف هنا تفيد معنى، لأن المقام إنما مقام كنائي، الكلام يدل على المراد بطريق الكناية، فالمثل يُعبر به عن الحقيقة، مثل ما روي من الحوار الذي كان بين القبعثرى وبين الحجاج بن يوسف عندما تهدد الحجاج القبعثرى، وقال: لأحملنك على الأدهم، قال له: مثل الأمير، يعني الأمير، نعم، مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب، نعم، فمراده الأمير أي: من يتصف بصفات الأمير، نعم، ويتصف بخصائص الأمير، ويحمل على الأدهم والأشهب.
وهنا أيضًا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ أي: ليس لمن اتصف بالصفات العظيمة التي اتصف الله سبحانه وتعالى بها من الكمالات، من صفات الجلال، وصفات الجمال، وصفات الكمال، ليس لمن كان كذلك شبيه، ليس له مثل، فإذن الكاف هنا دخلت على المثل، والمقصود بالمثل ذات الله تعالى نفسه، أي: الذي لا يشابِه في شيء، بالمتصف بالصفات التي لا تشبه شيئًا، ولا يشبهها شيء.
وكذلك من الزيادة مثلًا في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 159]، ما هنا رحمة: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾، ولكن المقصود بهذا تأكيد هذه الرحمة، ما هنا تفيد التأكيد وليست هي مجرد زيادة أتي بها لأجل تنميق الكلام وكذا.
ومثل ذلك ما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا﴾ [البقرة: 26]، ﴿أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا﴾، فما إنما أريد بها التأكيد؛ أريد بها التأكيد، التنكير، مثلًا كلمة نكرة، وأريد بها التأكيد؛ تأكيد التنكير، أي أي مثل كان من الأمثال لا يستحيي الله سبحانه وتعالى ما دام يؤدي إلى غرض ويخدم الغرض، سواء كان هذا التمثيل بدقائق الأشياء أو كان بجَلائل الأشياء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾، فالله لا يستحيي أي لا يمتنع أن يضربه مثلًا.
فالله تعالى أعلم.