⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، يعني من خلال أيضًا بعض القراءات المتواضعة لتراجم القرآن الكريم –خاصة باللغة الإنجليزية– أجد أن هناك بعض الإشكالات المتعلقة بالحروف، وأحيانًا بالمفردات، وأحيانًا بالجُمَل.
أما من حيث الحروف، لنأخذ على سبيل المثال حروف العطف: حروف العطف في اللغة العربية لكل حرف دلالة؛ فـ"الواو" لها دلالة، و"أو" لها دلالة، و"ثم" لها دلالة –على سبيل المثال– و"الفاء" لها دلالة. هذا لا يُلحَظ عند الترجمة؛ فحينما نقول: دخل زيدٌ فعمرُ، يختلف عن قولنا: دخل زيدٌ ثم عمرو. في اللغة الإنجليزية لا نجد إلا كلمة واحدة: "and"، التي تعني: "و"، لا تعني الفاء ولا تعني ثم؛ مع أننا نتحدث عن الحروف، يعني إلى هذا المستوى؛ ولذلك قلتُ: لا بد من ترجمة تفسيرية.
سأضرب مثالًا آخر من الحروف: على سبيل المثال: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف: 9]، "أم" للإضراب، للانتقال من موضوع إلى موضوع؛ نجد أنها تُترجَم فقط بما يدل على "أو" –"or"– باللغة الإنجليزية، مع أن معناها مختلف. هذا مثال؛ ما الواجب نحو مثل هذه المواضع؟ الواجب الوقوف عندها؛ ولذلك كان من أول الشروط: الإلمام باللغتين وبمعاني اللغتين وأساليبها وطرق التعبير فيهما.
لنأخذ مثالًا في المفردات –وقد ورد إلى البرنامج بعض الأسئلة متعلقة باطلاع بعض السائلين على تراجم لمعاني القرآن الكريم، لكنها تراجم لا تفي بالمعنى–: كلمة "أولياء"؛ كلمة "أولياء" غالبًا ما تُترجَم بمعنى: أصدقاء –"friends"– ومَن كان أحسن قليلًا، أحسن حالًا، قال: أصدقاء مقرَّبون؛ للدلالة على "أولياء"، وهي مصطلح مختلف تمامًا؛ لأن كلمة "صديق" وردت في القرآن الكريم، وهي مختلفة عن معنى "ولي" و"أولياء"؛ ولذلك لا بد أن يُلحَظ هذا في الترجمة؛ لأنه يولِّد إشكالًا عند المتلقِّي، خاصة إذا كان يريد أن يتعرف على هذا الدين.
سأذكر هنا حادثة طريفة –إذا كان الوقت يسمح–… نعم، أنا نفسي وقعت في حادثة من هذا النوع؛ كان السائل شابًّا ألمانيًّا، لكنه يتحدث الإنجليزية بطلاقة، فكان يطرح أسئلته باللغة الإنجليزية؛ فذكر موضوع الحب، وأنه لا وجود له في القرآن الكريم، وهو الشاب حضر معنا في رمضان قبل الفائت في "سؤال أهل الذكر" في الاستوديو، إذا تذكر دكتور… فكان قبلها عندي في المكتب، فذكر موضوع الحب وأنه لا وجود له في الإسلام، ولا وجود له في القرآن؛ فانْدَفَعْتُ أنا بحماس لكي أنفي هذه الشبهة، وأبيِّن له مكانة الحب في القرآن الكريم: حب الله، حب العبد لله تعالى، وحب الله عز وجل للعباد، ثم منزلة الحب، وأرشدته إلى بعض المصادر، وأخذتُ في الشرح تقريبًا عشر دقائق.
زميلي –أحد ذوي الدراية والاختصاص– نبَّهني، قال: هو لا يقصد هذا الحب؛ لأن مفهوم الحب عندهم اليوم في الغرب اختلف؛ قلت: ماذا يقصد؟ قال: هو يقصد الحب العاطفي الذي يكون بين الذكر والأنثى، والذي يدخلون فيه في علاقات محرَّمة، علاقات صداقة محرَّمة؛ فأنا مباشرةً تداركت الوضع، ونفيت وجود مثل هذا؛ وهو كان يسمع، كان مشدوهًا إلى ما كنت أقرِّره له من وجود الحب في القرآن الكريم، وانتهينا بالحب بين الزوجين، والحب داخل الأسرة، والأبوين والأولاد، وهو مشدوه، إلى أن نبَّهني صاحبه؛ لأنه لا يقصد هذا النوع من الحب؛ لأن مفهوم الحب عندهم تغيّر اليوم، لا يقصدون هذه العاطفة المجرَّدة فقط، وإنما يقصدون علاقة بين جنسين.
إذًا هذه أمثلة تُقدَّم فيما يتعلق –قلت– بالجُمَل والتراكيب. باختصار شديد، حتى ندرك الوقت: نعرف أن اللغة فيها مثلًا أساليب الحصر، أساليب القصر، التقديم والتأخير، متى يُبدأ بشبه الجملة، هذه لها دلالات؛ للأسف لا تُلحَظ دلالاتها حينما يُنقَل المعنى إلى اللغات الأخرى.
وملاحظة –أو التنبه– لدلالات هذه التراكيب واختلاف أساليبها إنما يكون في هذه اللغات التي يُترجَم إليها بإضافة كلمات، يعني التغيير في تركيب الجملة؛ لأننا –"الذي يجب أن نعبد، وإياك نستعين" مثلًا– ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، لا بد من الإتيان بما يدل على أن هذا التقديم يدل على الحصر، أي: لا نعبد إلا إياك؛ وحينئذ تكون الترجمة وافية؛ لا بد من إضافة كلمات في اللغة المترجَم إليها، لا توجد في النص الأصلي، للإيفاء بالمعنى أو لتقريب المعنى وتحقيق المقصود منه. هذه لها أمثلة كثيرة، لكنها أيضًا غاية في الأهمية.