⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هو أولًا –تعليق بسيط– لا يمكن لأي إنسان أن يترجم، ولا يمكن له أن يترجم أي نص، فضلًا عن النص المقدس. ومعروف فعلًا عند المترجمين أن النصوص الدينية تستدعي مزيدًا من الاشتراطات والضوابط.
لكن مع ذلك أنا سأقدِّم بمقدِّمة أيضًا لا بد منها: كثير من جهود الترجمة انطلقت من مبدأ أن هذا القرآن عُسْر، وأن فهمه مُستغلق، والسبب –وهنا مكمن الخطأ– ولذلك نجد خلاف الفقهاء أصلًا: هل يجوز أن يُترجَم القرآن الكريم أو لا يجوز؟ هذا خلاف مشهور، وإن كان قد أتى عليه الزمن، لكن الخلاف موجود، ولا يزال بعض الفقهاء إلى اليوم يتمسك. ثم هؤلاء الذين يجيزون أيضًا قالوا: لا بد من التقيّد بهذا الوصف: ترجمة معاني القرآن الكريم. مع أننا نقول: كلمة ترجمة –وإن كانت ستزيد شيئًا حتى لا تُوهِم، على سبيل المثال لا تُوهِم أن هذا هو القرآن الكريم– فلا إشكال في هذا، لكن كلمة ترجمة للقرآن الكريم هي تفسير وبيان بلغة أخرى، هو تفسير وبيان؛ بمعنى: في علم الترجمة هذا يُسمَّى الترجمة التفسيرية، ليست الترجمة الحرفية؛ الترجمة الحرفية غير ممكنة أصلًا، وإنما الممكن هو الترجمة التفسيرية.
فطالما قلنا: ترجمة تفسيرية، فكما أن التفاسير لا يمكن أن تُوفي هذا النص بكل ما يستدعيه من معانٍ ودلالات ومضامين، فالترجمة تكون في الجودة والإتقان والإبداع في مرتبة عليا؛ لذلك نجد أن كتب التفاسير تتفاوت، وكذا الحال بالنسبة لتراجم معاني القرآن الكريم هي أيضًا تتفاوت.
إذًا لا بد –الآن سنعود بعد هذه المقدمة إلى ذكر ما تفضلتم بالسؤال عنه، وهو مسألة الشروط–: الإلمام باللغتين: باللغة العربية، وباللغة المترجَم إليها، الإلمام التام البارع، من ماهرٍ خبير، فردًا كان أو مجموعة –وسنأتي إلى العمل الجماعي– مع الإلمام باللغة الإلمام بالأساليب، بأساليب اللغتين التي يترجم منها والتي يترجم إليها؛ بأساليبها، بالحقيقة والمجاز، وهذه مسألة مهمّة للغاية، مسألة الحقيقة والمجاز.
لأن بعض التراكيب –حتى نكسر السآمة أيضًا– بعض التراكيب في بعض الجمل المجازية في القرآن الكريم حينما تُنقل إلى لغة أجنبية تفقد معناها إذا تُرجمت ترجمة قريبة من هذه الألفاظ؛ لأن هذا التعبير الكنائي عن البخل والشح، وعن التبذير والإسراف، لا يستخدمون فيه مثل هذا المصطلح؛ ولذلك لا بد من الإتيان بالمعنى الحقيقي، بما يفسِّر، لا مانع من ذكر هذه الصورة التشبيهية، لكن مع الإتيان بما يدل على المعنى المقصود؛ ولذلك قلنا في الترجمة: نقل المعاني والمقاصد.
يعني: لا تكن بخيلًا مثلًا… نأتي إلى مثلًا هناك بعض أيضًا –لما قلت الشرط الثاني: الدراية بالأساليب– أيضًا حتى لا يسقط السامع ما ذكرته فيما يتعلق بالتعابير المجازية في كل مجاز في القرآن… لا؛ مثلًا تعبير: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: 40]، هذا التعبير موجود –الغريب– أنه موجود في اللغة الإنجليزية، موجود للدلالة على استحالة أمرٍ ما، يستخدمون لفظًا وتركيبًا يكاد يكون مطابقًا لهذا التركيب –بالنسبة للغة الإنجليزية– نعم.
هذا مثال فقط، لما تحدثتُ بأن من الشروط: الإلمام بالأساليب، أساليب اللغة ووجوه البلاغة فيها.
خُذ على سبيل المثال مثالًا آخر –حتى كما قلت: يكون الحديث… الناس يحتاجون إلى الأمثلة أيضًا– شبه الجملة لا يوجد –حسب علمي– في اللغة اللاتينية، وتأكدت حتى من خبراء قاموا بترجمة معاني القرآن الكريم ممن هم ناطقون أصليون باللغة الإنجليزية، وقاموا بترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية؛ قالوا: لا يوجد ما يُعرَف بشبه الجملة، في حين أننا نحن حتى البسملة التي ترد في كتاب الله عز وجل 114 مرة هي شبه جملة: "بسم الله الرحمن الرحيم" شبه جملة.
فحينما نأتي إلى ترجمتها، لنأخذ هذه البسملة، الترجمة الموجودة حاليًّا فيها أثر كنسي؛ بمعنى: كل التراجم –واسمح لي أن أستخدم بعض ما يعرفه عموم الناس– "in the name of Allah"، الحقيقة هم يقولون في الكنائس: "in the name of God"، فكلمة "in the name of" هم يستخدمونها بمعنى: بالنيابة عنه؛ لأن هذا القِسِّيس أو الشمّاس هو في الحقيقة متحدث عندهم باسم الرب. ليس هذا هو المعنى المقصود في البسملة عندنا بالتأكيد؛ لماذا؟ لأن هذه شبه جملة تتعلّق بمحذوف، ما تتعلق به غاية في الأهمية في بيان معنى هذا الكلام الذي هو شبه جملة، سواء قدّرنا بأن المحذوف هو: أبتدئ، أو أبدأ، أو أشرع، أو بحسب نوع الفعل: أفعل، أقول، أذكِّر، أعبد، إلى آخر الأفعال التي تُقدَّر مما يتعلق به شبه الجملة هذا.
هذا يحتاج إلى دراية ومعرفة عند ترجمة معاني القرآن الكريم إلى مثل هذه اللغات.
لفظ الجلالة نفسه: هل يمكن أن يُترجَم أيضًا لفظ الجلالة؟ الأولى –وهذا ما لاحظه من ترجم من المسلمين، وقد أشرتم إلى هذه القضية– أنهم حافظوا عليه، فأغلب التراجم، تراجم معاني القرآن الكريم التي قام بها مسلمون أبقوا لفظ الجلالة على ما هو عليه.
أما من اشتغل من المستشرقين ممن هم على دراية بلغاتهم وباللغة العربية –الحق يُقال: إن لهم دراية وإلمامًا باللغة العربية– لكنهم استبدلوا بلفظ الجلالة الكلمات الموجودة عندهم، وفي صدارتها كلمة "God"؛ وهذا المصطلح عندهم يدل على الإله الخالق، لكنه يَرِد في بعض نصوصهم الدينية بمعنى الرب، ونحن معنى الرب مختلف أيضًا عندنا حتى عمَّا هو عندهم؛ ولذلك في كلمة في سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، كلمة الرب عندنا في دلالاتها اللغوية تدل على المنعِم، السيد، المالك، المربِّي، القيِّم؛ هذه –فقط للتمثيل– المعاني الخمسة الأساسية لهذه الكلمة، كلها متضمَّنة في كلمة "رب".
أما في بعض اللغات كاللغة الإنجليزية فلا تشتمل الكلمة النظيرة –وهي كلمة "Lord"– لا تشتمل على كل هذه المعاني؛ إذًا من واجب المترجم أن يلحظ هذه المعاني، وأن يعبر عنها بما يقرب معناها في هذه اللغة المترجَم إليها.
مثل ذلك أيضًا مصطلحات مثل: الحق، الصيام، الزكاة؛ هذه أمرها أسهل، والسبب في ذلك –ليست كلها على درجة واحدة– لكن السبب: أنها أُدخِلَت اليوم لتكون مصطلحات بنفس ألفاظها العربية؛ استوعبتها كثير من القواميس اللاتينية.
لكن حينما نقول: الصلاة، الصلاة –على سبيل المثال– تختلف؛ في اللغة الإنجليزية –على حسب علمي– كلمة "prayer" التي تُترجم إليها كلمة الصلاة كثيرًا في النصوص الدينية لا تعني بالضرورة الصلاة بالمعنى الاصطلاحي عندنا؛ بل يلحظون هم –وهذا هو الغالب– أنها الدعاء، أي دعاء يقوم به، فهي صلاة عندهم، أما نحن فهي عبادة مخصوصة لها تعريف اصطلاحي، والتعريف والمعنى الاصطلاحي مقدم على المعنى اللغوي وعلى المعنى العرفي.
نعود إلى الشروط حتى أختم: هذه تقريبًا هي أهم الشروط؛ لكن كثيرًا من العلماء يضعون شرطين آخرين، وهما جديران أيضًا أن يدخلا ضمن هذه الشروط.
الشرط الثالث –إذا كان الترتيب–: الأمانة؛ والأمانة يشيرون بها إلى أخلاقيات البحث العلمي، بحيث يتجرد هذا الذي يقوم بالترجمة من أهوائه، ومن الصور النمطية التي هي موجودة عنده، ومن المؤثرات الخارجية والمؤثرات النفسية، لكي يكون أمينًا في الترجمة.
وأنا أبتسم؛ لأن بعض اللغات –كلغات أوروبية، كاللغة الإيطالية والفرنسية– كلمة مترجم اشتقاقها قريب من كلمة خائن، وهم أصلًا يقولون بأن المترجم خائن في العادة؛ هكذا يقصدون: إنه خائن؛ لأنه لا يمكن أن يوفِّي النص الأصلي حقه، لا يمكن؛ أو يقولون بأنه يستحين، ولذلك هو يخون النص حتى يتمكن من تقريب المعنى إلى أفضل أو أعلى الدرجات؛ لا بد أن يغيّر، لا بد أن يغيّر في ترتيب الكلام، في التراكيب، إلى آخره. الحاصل: أن ما يهمنا هنا هو الجوانب الخُلُقية المتعلقة بأخلاق البحث العلمي.
وأما الشرط الرابع الذي قلت إنه جدير أيضًا بالإضافة، فهو: الترابط الروحي بين المترجِم والنص الذي يُترجِم؛ إن لم يكن مسلمًا فلا أقل من تقدير هذا النص، وإنزاله المنزلة اللائقة به، وإلا فإن هذه الترجمة سوف يتخطاها الزمان. وُجدت تراجم للقرآن الكريم قام بها بعض المستشرقين الذين ابتغوا من ورائها بثَّ سموم، والحطَّ من قدر هذا الكتاب المجيد، لكن من إعجاز القرآن الكريم، ومن لطف الله تبارك وتعالى، ومما وصل إليه أيضًا المسلمون من وعي ومعرفة وثقافة، فإن مثل هذه الأعمال تخطاها الزمان، يكاد حتى ما عادت تُعرَف.