⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن الناظر المتدبر في آيات الكتاب العزيز عليه حتى يصل إلى ما يمكن أن يستنبطه من معانٍ ودلالات، عليه أن يلتزم أولًا بما تدل عليه اللغة العربية؛ لأن هذا القرآن أنزله الله تبارك وتعالى بلسان عربي مبين. ولذلك فإن الضابط الأول هو ما تحتمله اللغة التي نزل بها هذا الكتاب العزيز، فهي الوعاء الذي اختاره الله تبارك وتعالى لتعبّر عن المعاني والحِكَم والأحكام والعِظات والهدايات التي اشتمل عليها كتابه العزيز، وهذا يستدعي منه أن يكون على إلمام بأساليب اللغة وبفنونها وفروعها نحوًا وصرفًا وبلاغة وبيانًا، وفي أساليب حديثها في حروفها ومفرداتها وفي تراكيبها وجملها. هذا هو الشرط الأول، وهذا يعني أن كل ما خالف اللغة العربية أو كان بعيدًا أو شاذًّا عما تحتمله اللغة ويستوعبه هذا الوعاء، فإنه مردود غير مقبول.
ثم من الشروط أيضًا أن لا يُناقِض القرآن نفسه؛ فلابد أن يُنظر إلى هذا الكتاب العزيز في وحدة موضوعية يكمل بعضُه بعضًا، فلا تناقض بينه؛ لأنه من لدن حكيم خبير، كتابًا متشابهًا، فهو في إعجازه وبيانه وفيما يدل عليه كتاب منتظم متكامل المعاني والدلالات: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف: 27]، وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ۜ قَيِّمًا﴾ [الكهف: 1-2]. فلابد أن يُردّ الآيات القرآنية إلى بعضها البعض، ويُردّ ما تشابه منها إلى المحكم، وينظر فيما يُبحث فيه من كلمات ومفردات أو من معانٍ للآيات ليصله بما شابهه أو بما أشبهه في سائر آيات الكتاب العزيز وسُوَره، بحيث لا ينقض ما يصل إليه ما هو ثابت في كتاب الله عز وجل، وإلا فلا ريب أن هذا الذي يصل إليه أو يأتي به يكون حينئذٍ مردودًا عليه.
ثم لابد أن ينظر في الصحيح الثابت من سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام فإنه حُجّة يفسَّر به كلام الله عز وجل، وأما ما لم يثبت عنه فلا عِبرة به، فلا يُلتفت إليه، ولا يُحتجّ بما يوجد في كتب التفسير في تراثنا الإسلامي الكبير الممتد من روايات ضعيفة بل حتى من بعض الإسرائيليات على سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل يُحتج بها على أقوال العلماء؛ فالمعوَّل عليه والمحتكم إليه إنما هو السنّة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان فيه اختلاف بين أهل الصنعة فهذا يمكن أن يكون في دائرة المقبول الذي تتّسع له الآراء.
أما أن يُؤتى إلى أساطير وخرافات أو إلى إسرائيليات، إلى روايات مكذوبة مصنوعة، فهذا لا عِبرة به.
كذلك لابد له أن ينظر في القراءات؛ لأن القراءات السبع أو القراءات العشر مما تلقته هذه الأمة بالقبول، متواترة كانت أو مستفيضة، فهي مقبولة محتجّ بها، فلا تمايز بينها ولا تفضيل بينها؛ لأنها جميعًا مما يُقرأ به كتاب الله عز وجل، وحينئذ لابد من الالتفات إليها في تفسير كتاب الله عز وجل.
بعد ذلك يتفاوت ما يستعمله المفسر أو الناظر أو المتدبِّر في آيات الكتاب العزيز من مواهب ومعارف يمكن أن تعينه للوصول إلى مبتغاه؛ فقد ينظر في التاريخ وحركة التاريخ ليُعزَّز ويَأنَس بما يجده في كتاب الله عز وجل، وقد ينظر في شيء من العلوم العصرية التي تفيده أيضًا في تأكيد ما توصّل إليه نظرُه وأدّى إليه اجتهادُه، وهو متمكن قادر على ذلك كما تقدم، ثم يمكن له أن يستعمل ما فتح الله عز وجل عليه من مواهب ومعارف.
ولما تحدثتُ عما يتعلق ببعض العلوم اللازمة، فإن منها لا شك علوم الشريعة: من نحو علوم القرآن لمعرفة الناسخ والمنسوخ، ومعرفة علم أصول الفقه لكي يتبيّن الألفاظ ودلالاتها والأحكام الشرعية وكيفية بناء الأدلة لها وإثبات الأدلة الشرعية لهذه الأحكام، ومعرفة ما يترتب على الألفاظ من أحكام شرعية كالعموم والخصوص والإطلاق والتقييد والاستثناء ودلالات الألفاظ والمنطوق والمفهوم، والمفهوم الموافق والمفهوم المخالف. فهذه من العلوم الأساسية التي يحتاج إليها من ينظر في كتاب الله عز وجل.
هذا باختصار شديد، لا يعني أن الأمر غير متاح ولا يتأتى لكثير من الناس، وإنما المطلوب أن يؤهِّل الناسُ أنفسَهم وأن يسعَوا مجتهدين في طلب العلوم التي تعينهم على فهم كتاب الله عز وجل، ولا يوجد ما يمنع من أن يبحثوا وأن يدرسوا، ثم بعد ذلك يَعرِضوا ما توصّلوا إليه على أهل الاختصاص من الراسخين في العلم من ذوي العِدْل والثِّقة، وهذا شرط أيضًا لابد منه؛ لأن التعامل مع كتاب الله عز وجل يستدعي التقوى والعدالة والمروءة وحسن الخلق.
وقد قال عدد من علماء الحديث: «يَحْمِلُ هذا العلمَ من كلِّ خلفٍ عُدولُه، يَنفون عنه تحريفَ الجاهلين، وانتحالَ المبطلين، وتأويلَ الجاهلين». هؤلاء الأصناف الثلاثة إنما هم لأنهم أخلّوا بالشروط المتقدم ذكرها؛ فإمّا أن يُؤتوا من جهلهم، أو أن يُؤتوا من قبل مبالغتهم وغلوِّهم في تأويل ظواهر الكلمات والنصوص القرآنية في غير ما تحتمله ولا غير الوجوه التي يمكن أن يستوعبها النص القرآني، أو أن يُؤتوا من سوء ديانتهم، ومن خبث طويتهم وسوء مقاصدهم، وهذا هو التأويل الذي يشير إليه الحديث، هذا هو تأويل الغالِين؛ لأن لهم مآرب ومقاصد يريدون أن يصلوا إليها، فإن وقعوا في ذلك –أي في شيء من هذه– فإنما هم من أهل الأهواء والبدع الذين لا يُلتفت إلى أقوالهم، بل تُطرح ويُردّ عليها ويُكشف عوارها ويظهر للناس.