⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
القرآن الكريم هو كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والجراءة على القول في القرآن الكريم افتراء على الله سبحانه وتعالى، فلذلك يجب أن يكون الإنسان الذي يتحدث حول القرآن خبيرًا عارفًا؛ لا بد من أن يكون ملمًّا بالقرآن نفسه، جامعًا ما بين آياته، قادرًا على فهم مضامينها، مستوعبًا لدلالات كلماته، بحيث لا يجرؤ على القول في شيء إلا ببيِّنة من ربه وبصيرةٍ منه سبحانه وتعالى.
ونحن نرى أن السلف الصالح كانوا شداد الحذر من هذا الأمر، لقد جاء عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه سُئل عن «الأب» في قوله تعالى: ﴿فَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: 31] ما هو الأب؟ فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلّني، وأين أذهب وماذا أعمل إن قلت في كتاب الله بغير ما أراد الله؟ وقرأ عمر هذه الآية الكريمة فقال: هذه الفاكهة، فما هذا الأب؟ ثم قال: ما عليك يا ابن أمَّ عمر ألا تعرف الأبَّ؛ أخذوا من كتاب الله ما ظهر لهم، ودعوا ما أشكل عليهم.
نحن نرى السلف الصالح مع كونهم كانوا عربًا أقحاحًا، أي معظم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا عربًا أقحاحًا، وقد نزل القرآن الكريم بلسانهم، وكانوا هم بجوار النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، وقد امتزج القرآن الكريم بلحومهم ودمائهم ومشاعرهم وأحاسيسهم، حتى إن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يبين كيف كانوا يتعاملون مع القرآن، يبين أنهم كانوا يتعلمونه عشر آيات عشر آيات، لا يتجاوزون العشر التي يتعلمونها حتى يتقنوا ما فيها من العلم والعمل؛ فمعنى ذلك أنهم كانوا يتعلمون علم القرآن، ويتعلمون تطبيق القرآن، يحرصون على الجمع ما بين الأمرين جميعًا؛ على الجمع ما بين العلم، والجمع ما بين العلم والتطبيق.
فعلى أي حالٍ من الأحوال، أيٌّ يقرأ القرآن الكريم يُطالب بأن يتدبره، ولكن لا يعني ذلك أن يجرؤ ويقول فيه قولًا بدون علم. نعم، هذا التدبر: أن يقف الإنسان عند دلالات الآيات التي تتحدث عن الله سبحانه وتعالى، كقول الله سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ، لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ، وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ، وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255].
فهذه الآية مثلًا تتحدث عن الله سبحانه وتعالى وصفاته، فالإنسان الذي يقرأها يؤمر بأن يتدبر، وأن يفكر في عظمة الخالق سبحانه وتعالى التي تتجلى في مخلوقاته؛ فهو تعالى الواحد الأحد، الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، وكل الكون ملك له: له ما في السماوات وما في الأرض، وأنه لا يجرؤ أحد أن يشفع عنده إلا بإذنه، وأنه عليم بكل شيء، عليم بالبشر، وعليم بما أحاط بهم، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، وهم لا يمكنهم أن يحيطوا بشيء من معلوماته إلا بما شاء، وأن ملكه وسلطانه شامل للكون كله. عندما يقرأ الإنسان هذه الآيات بهذا التدبر، لا ريب أن ذلك يورثه خشيةً وخشوعًا.
لكن أن يتدخل في جزئيات التفسير ويحاول أن يتحدث بحسب ما يملي عليه هواه، فذلك أمر لا يجوز قطعًا. ثم مع هذا أيضًا، مع هذه الآية هنا، هناك آيات شتى فيها تنزيه لله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4]، لا بد من أن يقف مع هذه الآيات، ويستشعر هذا التنزيه لله سبحانه وتعالى من أن يكون والدًا، أو يكون مولودًا، أو يكون له كفءٌ من خلقه؛ لا يكافئه أحد قط سبحانه وتعالى، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11].
كذلك أواخر سورة آل عمران، أواخر سورة الحشر التي فيها صفات الله سبحانه وتعالى. كذلك عندما يقف الإنسان على آيات الوعد والوعيد يؤمر أن يتدبر؛ ليرجو وعد الله، وليخش من وعيده. كذلك عندما يقف الإنسان على آيةٍ تتحدث عن الموت، عليه أن يتصور الموت وأنه لا بد منه؛ يقف على قول الله سبحانه وتعالى، أو يتلو هذه الآية الكريمة: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ، وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]. هذا التدبر الذي يورث الإنسانَ الخشيةَ والخشوع.
أما أن يتسور على الآيات القرآنية بدون علم، بحيث يحاول أن يفسر القرآن الكريم برأيه، فتفسير القرآن الكريم بالرأي من أخطر الأمور؛ إن الذي يفسر القرآن الكريم يجب أن يكون ملمًّا بعلوم القرآن؛ بأن يكون عارفًا بالقرآن، عارفًا بمحكمه ومتشابهه، وبناسخه ومنسوخه، ومطلقه ومقيده، ومجمله ومبينه، وخاصه وعامّه، وعليه مع ذلك أيضًا أن يكون عارفًا بتاريخ نزول الآيات، وعارفًا بأسباب النزول، وأن يكون أيضًا عارفًا باللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم.
كما سمعتُ من أحد العلماء في الأيام القريبة، يقول: لو أخذ الناس بظاهر الألفاظ، وهم الآن يعرفون أن السيارة هي هذه السيارة التي تمشي، وجاء أحد وادّعى قولَ الله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ [يوسف: 19] ربما يتصور أن المراد بالسيارة هي هذه السيارة كما هو مألوف، لكن ليس الأمر كذلك، والناس كثيرًا ما يقعون في أخطاء في فهم القرآن الكريم بسبب جهلهم باللغة العربية التي نزل بها القرآن.
على أن اللغة العربية نفسها التي يُعرف بها القرآن يجب أن تكون هي اللغة التي نزل بها القرآن، والناس كثيرًا ما بَعُدوا عن هذه اللغة، وقد حدثت اصطلاحات متعددة: بعضها للفقهاء، وبعضها للأصول، وبعضها لأصحاب الفنون المختلفة؛ هذه الاصطلاحات لا يمكن أن تُحمل عليها ألفاظ القرآن؛ لأنها اصطلاحات ناشئة بعد نزول القرآن الكريم، وإنما يُراعى المفهوم اللغوي إبّان نزول القرآن الكريم لأجل معرفة التفسير.
من جملة المصطلحات الحادثة التفرقة بين القضاء والأداء؛ فالناس تواضعوا، سواء الأصوليون أو الفقهاء، على أن ما يأتيه الإنسان من العمل في وقته يعد أداءً، أما إن كان له وقت، أي أن يكون العمل موقوتًا بزمن معين وانتهى ذلك الزمن، فإن الإتيان به من بعد مضي وقته يسمى قضاءً، هذا التعبير ليس هو تعبير القرآن، هذا اصطلاح من أجل تقريب الأمور إلى أفهام الناس، وهو اصطلاح لا بأس به؛ لأنه يؤدي بالناس إلى أن يفرّقوا ما بين حكم الإتيان بالعمل في وقته الذي شرع فيه، والإتيان به بعد مضي الوقت الذي وُقّت له، ولكن مع ذلك لا يمكن أن تُحمل ألفاظ القرآن الكريم على ذلك.
قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: 200]، فلا يعني هذا بقضاء المناسك أن يؤتى بها بعد مضي الوقت المحدد لها، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ، وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 10] لا يمكن أن يُحمل على هذا المعنى؛ أن تُحمل الآية الكريمة على هذا المصطلح الناشئ الحادث؛ لأن هذا المصطلح كان بعد نزول القرآن الكريم.
وهكذا؛ فلابد من أن يكون الإنسان خبيرًا بلغة القرآن الكريم، ثم أيضًا لا بد له من أن يكون خبيرًا بأصول الفقه، وأن يكون خبيرًا بالحديث النبوي الشريف؛ هناك كثير من الأمور التي جاءت في القرآن الكريم مطوية ضمن عباراته المجملة، لا يمكن التوصل إلى تفاصيلها ومعرفة دقائقها إلا بالرجوع إلى الحديث النبوي الشريف؛ فالله سبحانه وتعالى يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44].
فإذا التدبر في القرآن الكريم الذي يُسمح به لكل أحد هو التدبر الذي يورث قلبه خشيةً من الله سبحانه وتعالى؛ عندما يتلو الآيات التي تتحدث عن جلال الله سبحانه وتعالى وعزته وكبريائه وسائر صفاته، وكذلك عندما يتلو الآيات التي تتحدث عن اليوم الآخر، التي تتحدث عن الجنة وما فيها من النعيم وسعتها، كقول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّنْ رَّبِّكُمْ، وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]، وقوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ، جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17]، هذا كله من التدبر المحمود الذي ينبغي لكل أحد أن يحرص عليه وأن لا يفوته.
وكذلك بالنسبة إلى الآيات التي تتحدث عن النار: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك: 8]، وقوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج: 22]، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ، فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ، يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ، يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ، وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج: 19-21]. هذه الآيات التي إذا تدبرها الإنسان أورثت قلبه خشيةً وخشوعًا.
ولكن لا يعني ذلك أنه يُسمح له أن يدخل في تفاصيل تفسيرها، وأن يتحدث عن دقائق معانيها؛ فإن ذلك موقوف على العلم؛ ولا بد من أن يكون الإنسان ملمًّا بهذه العلوم. وعلوم العربية علوم واسعة؛ فلا بد من معرفته بالنحو والتصريف واللغة، ولا بد من معرفته بالبلاغة؛ ذلك هو الذي يمكن الإنسان من تفسير كتاب الله تعالى.
والله تعالى أعلم.