⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، هنا قضيتان: القضية الأولى وجود المترادفات في القرآن الكريم، والقضية الثانية ما يُرتَّب عليها.
وأنا من أنصار أنه لا ترادف –بمعنى التطابق– في القرآن الكريم؛ كل كلمة ولها دلالتها الخاصة بها، قد تقترب معها مفردات أخرى تشترك معها في أغلب الدلالات والمعاني، لكنها أيضاً لها دلالة خاصة؛ يعني هناك فارق ولو كان فارقاً بسيطاً يكون مقصوداً في تلك المفردة، وإلا لما وُضعت اللغة.
سأضرب لذلك مثالاً مما يتعلق بالإبل في لغة العرب: للإبل ما يقرب من ألفي اسم، بين الذكور والإناث، وهذه الأسماء تتفاوت بحسب تفاوت الأعمار والذكورة والأنوثة، حتى في أحوال وِرْدها للماء، فالمقدم منها له اسم، وما كان في الوسط له اسم، وما كان في المؤخرة له اسم، في مراحل الحمل... ما يقرب من 2000 اسم.
لننظر في القرآن الكريم: نجد: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]، فاستخدم هنا كلمة (الإبل). وورد: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣]، وورد: ﴿حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. وورد في قصة ثمود أن الله تبارك وتعالى جعل لهم آيةً ناقةً: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣]. بينما هي في اللغة الإنجليزية –على سبيل المثال– إذا تُرجمت لها كلمة واحدة فقط، وهي كلمة (camel)، وأصلها عربي ربما أيضاً.
لكن هناك سعة في اللغة العربية. نحن نتحدث عن الترادف الآن: هذه متقاربة الدلالة؛ ولذلك الترادف اللغوي لا يعني التطابق والتماثل التام، وإنما هو الاشتراك في أغلب الدلالات والمعاني مع وجود خصوصية في مفردة عن غيرها، تلك الخصوصية، ذلك الفارق البسيط، يكون مقصوداً في الاستخدام القرآني؛ لا توجد كلمة هكذا يمكن أن تحل محل كلمة في القرآن الكريم، حتى ولو كانت من نفس كلمات القرآن الكريم.
الفسوق يختلف عن العصيان، يختلف عن الجحود، يختلف عن مقارفة السيئات، يختلف عن الفجور. الخُسر يختلف عن الخسارة، يختلف عن الخسران، يختلف عن الخاسر؛ يعني ثلاثة مصطلحات أو أربعة مصطلحات وردت... إذاً هذا ما يتعلق بالترادف.
لكن أن يُرتَّب عليه ما هو مخالف لهذا المبدأ؛ يعني هذا المبدأ فيما يتعلق بالترادف إنما يؤكد حقيقة تنوع وسعة هذه اللغة القرآنية لتتدفق فيها معانٍ جزلة غنية وافرة، كلها تدعو إلى الاعتبار والاتعاظ وتمحيص النظر فيها. أما أن تُختزل، ويُخرج منها بنتائج خاطئة لا تحتملها اللغة ولا يحتملها الشرع، فهذا غير مقبول أصلاً، وهذا يدل على جهل قائله.
فلماذا –حينما نقول على سبيل المثال، أشرتم إليه من النبوة والرسالة– حينما قال الله تبارك وتعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، لماذا جعله خاتم النبيين؟ لأنه لا يمكن أن تكون رسالة إلا بنبوة؛ فكل رسولٍ نبيٌّ، لأن الله تبارك وتعالى اختاره لكي يكون نبياً؛ فتلقى وحياً بمجرد الاصطفاء والاختيار، هذا يعني أنه تلقى وحياً من الله تبارك وتعالى، اصطفاه لكي يبلّغ قومه، لكي يهدي قومه إلى ما أمرهم الله تبارك وتعالى به.
ثم تأتي درجة أخرى، وهي درجة الرسالة: أن يُكرم برسالةٍ يبلّغها إلى قومه خاصةً به، فلا يعوّل على وحيٍّ سابق، لا يعوّل على رسالةٍ سابقة أو كتابٍ سماوي سابق يبلّغه إلى قومه، وإنما يُكرم برسالةٍ جديدة يبلّغها قوماً، فحينئذ يكون رسولاً.
وحتى الدلالة اللغوية تحتمل، تؤكد هذا المعنى. وسبق لنا الحديث عن الفارق بين (القرآن) و(الكتاب): ما الذي يلحقهما؟ يعني يدلان على هذا المصحف الشريف الذي نقرأه بين أيدينا، لكن الدلالة القرآنية تُلحِظ معنى القراءة والتلاوة في (القرآن)، ومعنى الكتابة في كلمة (الكتاب). أسماء الإشارة: بين (هذا) و(ذاك)، بين (ذلك) و(ذلكم)، كلها لها دلالات خاصة بها تتناسب مع تلك المعاني. المسألة منضبطة منهجية...