⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا يلزم أن يكون مُلِمًّا متبحرًا، ومع دعوتنا – لا ريب – المسلمين جميعًا، من كان منهم من العرب أو من لم يكن من العرب، لأن هذا القرآن لما أنزله الله تبارك وتعالى ووصفه بقوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: 195]، فإن هذه اللغة التي هي وعاء القرآن الكريم صارت بذلك لغةً عالميةً؛ لأن هذا الدين دينٌ عالمي.
نعم، والله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: 28]، ومن أجل ذلك فإنه ينبغي للمسلمين أن يولوا عنايتهم باللغة العربية التي هي لغة القرآن الكريم.
نعم، وهذا يعني أن يتعرفوا على أساليبها وقواعدها ومبادئها ومعانيها قدر ما يستطيعون، لكن ينبغي لهم أن ينتبهوا إلى أن تعلمهم لأساليب اللغة وفروعها وفنونها إنما هو وسيلة، لا يصح أن تشغلهم وأن تصرفهم عن إدراك معاني الكتاب العزيز.
فنحن حينما نتحدث عن بلاغة القرآن، وعن بيان القرآن الكريم ووجوه إعجازه، فإن ذلك لا ينبغي أن يُخرِج بنا عن القرآن الكريم – بعيدًا عن القرآن الكريم وهداياته – فنخرج كما حصل في تاريخنا، ومن يطالع كتب التفسير يجد ذلك: أنهم يخرجون إلى هذه المناقشات… والجدلية…
هذه اللغة – كما تقدم – بفنونها وأساليبها ما يستطيع، لكن الأصل في ذلك فهم المعاني أولًا، ثم بعد ذلك يأتي فَهْم الأساليب ووجوه البلاغة والبيان.
نعم، نحن اليوم نجد أن كثيرين لا يعرفون معاني الكلمات أصلًا، ولا يتأتَّى لهم أن يعرفوا – أن يفهموا القرآن الكريم دون أن يفهموا اللغة التي أُنزل بها القرآن الكريم، نعم، بدءًا من فَهْم معاني الكلمات والدلالات، ثم بعد ذلك قواعد اللغة وتراكيبها.
لكن هذا لا يكفي وحده أيضًا، بل لا بد أيضًا من إتقان… أو البعد – يعني تكون الصياغة منضبطة – من البعد عن الاجتزاء في آيات الكتاب العزيز وفي كلماته ومفرداته، بل لا بد من النظر الشمولي إلى هذا المصطلح أو هذه الكلمة كيف وردت في كتاب الله عز وجل.
يعني يحضرني – على سبيل المثال، ومعنى واضح قريب – الفارق بين «الكتاب» و«القرآن»؛ كلها من أسماء هذا الكتاب الذي أوحاه الله تبارك وتعالى إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، عليه الصلاة والسلام، المنقولِ عنه بالتواتر، المتعبَّدِ بتلاوته.
جميل، لكن ما الفارق بينهما؟ لماذا يُستخدم القرآن أحيانًا كلمة «الكتاب»، ويُستخدم أحيانًا أخرى كلمة «القرآن»، ويُستخدم أحيانًا كلمة «الذِّكر»؟ بكل وضوح وسهولة لا تحتاج إلى جهدٍ وعناء، بينما نجد في كتب التفسير كثيرًا من المناقشات حول هذه القضية.
فالكتاب مأخوذٌ من الكتابة، فإذا أُريد معنى الكتابة استُخدمَت كلمة «الكتاب»، وإذا أُريد معنى التلاوة استُخدمت كلمة «القرآن»، وإذا أُريد كلاهما: الكتاب والتلاوة مع الأثر، استُخدمت كلمة «الذِّكر»، إلا أن استخدام الذِّكر ليس حصرًا في الدلالة على القرآن الكريم حتى ننتبه.
نعم، ولذلك نجد حتى الضمائر التي تُستخدم تتناسب مع هذا المعنى، فالله تعالى يقول – على سبيل المثال –: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 1-2]، قال: «الكتاب»، فإذا المقصود هو الإشارة إلى المكتوب، ولما يُكتَب بعدُ – هذا في سورة البقرة – لما يُكتَب بعد، إذا كان قد كُتِب فبعضُه لم يتنزَّل بعد، فإذا فالإشارة البعيدة «ذلك» إنما هي للكتاب في اللوح المحفوظ؛ لأنه مكتوب في مستور.
فبينما نجد أنه إذا استُخدم: «هذا كتاب» – وهو موجود في كتاب الله عز وجل في أكثر من موضع – نجد مباشرة: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [ص: 29]، «هذا كتابٌ أنزلناه»، فهنا لوحِظ أن الأصل فيه أنه مكتوب، ولكن المراد أنه أُنزل؛ فالله تبارك وتعالى أنزله وأوحى إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، عليه الصلاة والسلام.
هذا معنى لا يحتاج إلى وجوه بلاغة، وهذا كثير في كتاب الله عز وجل.
نعم.
يعني ما تدعون إليه الآن يمكن أن يُمكِّن المسلمين لاحقًا – بحول الله تعالى – من أن تكون لغة القرآن الكريم لغةَ الثقافة اليومية للإنسان، بحيث في كل مفردة من مفردات الحياة يمكن أن يأتي بآية حتى يشرح الموضوع.
لا بد لنا من ذلك، لا بد لنا؛ لأن بُعد المسلمين عن لغتهم أدَّى إلى ما هو أخطر: أدَّى إلى بُعدهم عن فَهْم كتاب ربهم جل وعلا، وحينما يعملون عقولهم… لكن لا بد لهم – مع… يعني – أنا أريد أن يكون أيضًا كلامُنا متسقًا: لا تكفي المعرفة العلمية الثقافية المعرفية فقط، أو الفقه المعرفي الثقافي، لا بد من يقظةِ النفس، لا بد من تجاوب هذه النفس، لا بد من أن تتعظ وأن تزدجر، ثم لا بد أن يستجيب هذا الإنسان بعد ذلك في واقع حياته لمعاني القرآن الكريم ومواعظه وهداياته.
نعم.