⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لعل السبب الرئيس هو البعد عن الله تعالى، اختصار يعني، هذه العاقبة: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: 123-124]، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30].
هذا البعد عن الله تعالى بصوره المختلفة الواسعة هو الذي أدّى إلى ما نرى عليه الأمّة اليوم؛ في الأفراد، في الأسر، على مستوى العامة، وعلى مستوى الدول، الجميع هناك خلل، والله تعالى يقول: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: 25]. لا، لا يعني ما ذكرته أن كل أحد في الأمّة فاسد أو ظالم أو كافر، لا، حاشا، لكن كما في هذه الآية الكريمة ربما يأتي العذاب العام أو الابتلاء العام بسبب ظهور الفساد، مع وجود فئة صالحة في الأمّة، ولكن قد لا تؤثّر وليس لها ذلك الدور في الإصلاح.
وعلى كل حال كما قال الله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: 21]، فما دامت الأمّة لم تهلك إلى الآن الهلاك العام إذًا هناك أمل إن شاء الله تعالى، وإن كان هذا التنبيه من الله تعالى مؤلمًا.
فما نعانيه مما يحدث في فلسطين مثلًا، وهو صورة لحال الأمّة وانعكاس لواقعها، من إزهاق للأنفس، وهتك للأعراض، ونهب للخيرات، وانتهاك للحرمات، وغير ذلك مما هو معلوم، إنما هو تنبيه لنا جميعًا، والحمد لله بدأ كثير من الناس ينتبهون.
وكم كرّرت هذا غير مرّة: بأن الذي حدث في هذه الفترة أغنى عن عشرات السنين من المحاضرات في الدعوة؛ موقف واحد، صورة واحدة قد يهدي الله تعالى بها ملايين البشر. إذن الذي يحدث في الغرب اليوم – سواء في أمريكا نفسها أو في أوروبا أو غيرها من بلاد العالم – من كان يتصوّره قبل سنتين؟ من كان يتصور هذا الأمر: أن تخرج الملايين من الناس مناصرة لقضية فلسطين، أن يتكلم الناس هناك في أوروبا وفي أمريكا بالكلمات العربية الإسلامية، يقولون: الله أكبر، ما يعرفون معناها، لكن يعرفون أنها شعار الإسلام، ويقولون: الله أكبر، أن ينادوا بحقوق هذا الشعب المستضعف، أن ينادوا بسقوط النظام الغربي العلماني، أن ينادوا بمعاداة الصهيونية، أن يرفعوا الشعارات ضد ما يُسمّى بإسرائيل، أن يقفوا في مواجهة حكوماتهم التي تؤيد هذا الفكر أو هذا النظام أو هذه الحرب ضد الإسلام أو ضد الفلسطينيين؛ من كان يتصور هذا الأمر؟
ولم يقتصر هذا على طلبة الجامعات كما كان في بداية الأمر أو على الشباب، بل عمّ مجتمعًا أو كثيرًا من المجتمعات والحمد لله، مع أنّنا ما فعلنا شيئًا في البلاد العربية والإسلامية أبدًا؛ لا من جهة الإعلام، ولا من جهة الدعوة، ولا بالمواقف السياسية ولا غيرها أيضًا، إلا شيئًا لا يكاد يُذكر؛ إذًا هذا فعل الله سبحانه وتعالى، الله لطيف بعباده، ينصر دينه ولو تخلّى عنه من يدّعون أنهم أتباعه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، وكما قال سبحانه: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: 8]، هذا حكم الله عز وجل.
فلعلّه تنبيه من جهة، ومن جهة أيضًا تنبيه أن الأمل لا يجوز أن ينقطع، وأن فعل الخير ولو كان قليلًا فإن الله يبارك فيه، وأن النصر آتٍ محال؛ لأن بعض الناس ما ترك الدعوة والإصلاح والاتصال – أو الانتصار – للإسلام رغبة في ترك الواجب، ولكنه أصيب في نفسه أن جهوده لا تساوي شيئًا، فهو يقول: أنا يعني أقف بنفسي أمام تيار عارم لن أفعل شيئًا، يقف في وادٍ والوادِي جارِف، ما شاء الله، إيش يرد الوادي؟ ما أستطيع، أو في الشاطئ، أو في البحر، والموج على مسافة يعني طول 10 م وارتفاع مثلًا 10 م ولا 100 م، يعني: كيف سيصدّ هذا التيار؟ بلغ بعض الناس هذا الأمر: لا نستطيع، الغرب عندهم القوة الإعلامية والسياسية والعسكرية، ويكاد يقول: كل شيء، ففقد الأمل.
فلعل هذا التنبيه يعيد إلى هؤلاء الأمل: أن الله موجود، وأن الله ناصر دينه، وأن الفساد لم يعمّ كل أحد، بل هناك أناس فيهم خير أيضًا. هذه نقطة مهمّة؛ لأن بعض الناس كان يتصور الغرب – يعني كلّما ذُكر هؤلاء الغرب – بس يلعنهم ويدعو عليهم؛ يعني ما هكذا الدعوة يا عباد الله: كلهم ما فيهم خير، وكلهم كفّار، الله يهلكهم، قول: الله يهديهم طيّب، إشكال طيب.
لكن لما ظهر أناس فيهم شيء من الفطرة، فيهم شيء من الخير، تتحسن الصورة قليلًا، فهؤلاء يحقّ لهم علينا أن نوجّه إليهم الدعوة، وأن نظهر لهم حقيقة الإسلام.
يعني من العجب أن أكثر المتأثّرين في هذا الأمر من النساء، مع أن أشد حملة توجَّه إلى الإسلام في مجال – إيش؟ – النساء، في مجال المرأة؛ يُنشَر عن الإسلام في الغرب عن طريق الإعلام الفاسد أن الإسلام يظلم المرأة، وأن هذا الحجاب تشديد، وأن الإسلام في تخلّف، في كبح للحريات، في ظلم، وإذا بأكثر الداعمين للقضية الفلسطينية الآن – يعني أكثر الداعمين لقضية المرأة المسلمة، للحجاب الإسلامي – النساء غربيات، ويدخلن الإسلام.
لكن إلى الآن، مع مضي هذه المدة الطويلة، ينكشف ضعفنا: أننا لم نزل ضعفاء في توجيه هذه الدفّة، في استغلال هذه الفرصة، إلى الآن لا زلنا نعيش كما يقال: قصة التصوير هذه؛ قصة يعني الفيل الذي سُجِن في زنزانة، فأُغلق القفل، قفل الباب، وكلما لهذا الفيل أن يخرج يُضرَب، ما يستطيع يفتح، وجاء في يوم من الأيام هذا السجّان وفتح القفل يعني، وترك الباب بدون قفل، وبقي هذا الفيل مدة طويلة، ربما بالسنين، ما يفعل شيئًا، الباب مفتوح لكن هو ما عنده خبر، لأنه رسخ في ذهنه أن الباب مقفول، فعلى هذا الأساس في يوم من الأيام فُتِح، الباب مفتوح.
فحال أمّة الإسلام أنها تعيش في سجن الضعف منذ مئة سنة أو أكثر، وتتصور أن هذا العدو لا يُقهَر، وأن جيشه لا يُقهَر، وما قادرة تسوي شيء: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ [المائدة: 23].