⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم إنك أنت العزيز الأكرم، وأنت الرب، وأنت الحكم.
أما بعد، فإن الضوابط الشرعية التي يُعوَّل عليها في العملية التعليمية لا تختلف من وقت إلى آخر، ولا من مكان إلى آخر، لأننا نتحدث عن أسس خُلُقية تربوية، في صدارتها الصدق والأمانة والشفافية والوضوح، وهذه لا تختلف سواء كان نظام التعليم قائمًا على نظام تقليدي، أو كان نظامًا حديثًا، أو كان قائمًا على ما يُعرف بالتعلم الرقمي، أو كان قائمًا على الذكاء الاصطناعي.
فإن هذه الأسس والمبادئ لا تتخلف، ويظهر أثر ذلك في القيام بالواجبات التعليمية التي يُكلَّف بها المعلم المتعلمين، يظهر ذلك في إعداد التقارير والبحوث، سواء كانت ما قبل المرحلة الجامعية أو كانت في المرحلة الجامعية أو في رسائل الدراسات العليا، فإنها لا بد أن تكون مؤسسة على الصدق وعلى الأمانة العلمية وعلى الشفافية؛ بمعنى توضيح المصادر التي رُجع إليها والمراجع التي استُقيت منها المعلومات، سواء كانت كتبًا صفحات أو كانت مواقع إلكترونية أو كانت شيئًا من منصات الذكاء الاصطناعي التي يمكن أن تكون مفيدة ونافعة في العملية التعليمية.
ولا أظن أن القضية هي قضية الأسس والمبادئ أو الضوابط الحاكمة للتعلم في هذا العصر الرقمي وفي عصر الذكاء الاصطناعي، القضية الأساسية هي ما ذكرناه منذ أكثر من سبع سنوات: ما الذي نتعلمه؟ وكيف نتعلم؟ وهذا لا يتحقق إلا من خلال رؤية مقاصدية كبرى للعملية التعليمية بأسرها.
فما لم تكن لنا رؤية استراتيجية كبرى لما نريده من التعليم فإن هذا التعليم سيعاني من الضياع والشتات، وهذا أمر نادينا به منذ سنوات طويلة: إنه لا بد من مقاصد كبرى للعملية التعليمية يُسعى إليها.
وهذا الكلام لا أتحدث فيه معتديًا على تخصصات لا أتصل بها بصلة، وإنما أقرؤه من سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسنته: ما الذي فعله عليه الصلاة والسلام في المدينة المنورة بعد هجرته إليها مع أصحابه الكرام رضوان الله تعالى عليهم؟ إذا بحثنا في عنايته عليه الصلاة والسلام بالتعليم وفي صياغته للبنية الذهنية للمجتمع المدني الناشئ في ذلك الوقت سنجد أنه صلى الله عليه وآله وسلم قد رسم لمجتمع المسلمين في المدينة المنورة غايات كبرى انتدبهم للوصول إليها فحقّقوها.
أراد أن يمحوا الأمية، أراد أن يصلوا إلى حد الصدارة، ولم يقتصر عليه الصلاة والسلام على مجرد المواكبة للحضارات والمدنيات والثقافات المحيطة بمجتمعهم في المدينة المنورة، بل أراد للمسلمين أن يبلغوا حد الريادة والقيادة في الجانب الاقتصادي، في التخطيط الإداري، في الجوانب السياسية، وأقصد من ذلك حالات السلم والحرب والمواثيق والعهود التي يبرمها مع القبائل والشعوب وكيفية التصرف فيها، في جانب التخطيط العمراني المدني: كيف خطط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للمدينة، ودفع بأصحابه بحسب كفاءاتهم لكي يتمكنوا من تخطيط المدينة بأوليتها ومزارعها وعمرانها ومحلاتها وبيوتها، وأين بنى مسجده الشريف، ما الذي فعله فيما يتعلق بالمياه، فيما يتعلق بالنفايات، فيما يتعلق بتعلم اللغات الأخرى والاستفادة من التجارب الأخرى، فيما يتعلق بالأوبئة والأمراض التي كانت في المدينة المنورة.
لا ينبغي أن يُظن أن ذلك إنما كان بمحض وحي من الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه لم يكن ناشئًا عن تخطيط ودراسة ونظر ومقارنات، ودفع بطائفة من أصحابه عليه الصلاة والسلام للاطلاع بهذه المسؤوليات، وتعلم هذه الفنون، واكتساب هذه المهارات، كيف أراد عليه الصلاة والسلام أن يصل المجتمع إلى حد الاكتفاء الذاتي فيما يتعلق بالأمن الغذائي، مع الأمن الفكري، مع التماسك المجتمعي، مع علاج مشكلة الهجرة الجماعية الكبيرة التي احتضنتها مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ليس هذا محل البحث الآن، وإنما هو تأكيد أن في سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكثير مما نحتاج إليه في وضع الخطط الاستراتيجية التي تُبنى على رؤية استراتيجية كبرى للعملية التعليمية: ما الذي نريد أن نصل إليه، وما الذي يحتاجه المتعلمون؟ هل يحتاجون إلى مجرد تلقي معلومات يحفظونها ويجتازون بها اختبارات معينة، أو أنهم بحاجة إلى تملك مناهج للتفكير في المجال الاقتصادي، في المجال الاجتماعي، في المجال الأمني، في المجال السياسي، في الجانب الإداري، فيما يتعلق بالحِرَف والمِهَن والصناعات، فيما يتعلق بالتخطيط العمراني، فيما يتعلق بالعلوم الشرعية وعلوم الحياة؟ كل ذلك نجده في سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ولذلك فإن صياغة هذه الكيفيات والمناهج عند المتعلمين تمكنهم بعد ذلك من استيعاب المتغيرات في نواحي العلوم والمعارف والفنون تلك؛ لأنها نامية متطورة متغيرة، فلا يمكن استيعاب هذه الفروع والجزئيات، لا بد من أسس. هذه الأسس هي التي تُسمى في العملية التعليمية بالمناهج أو الكيفيات؛ فإذا ضُبطت هذه الكيفيات سهل بعد ذلك التفريع عليها والاستنباط منها واستيعاب المستجدات.
وهذا ليس بغريب عن العلوم الشرعية نفسها؛ نحن نجد –على سبيل المثال– أن ذلك الذي يحفظ الفروع ولا يضبط الأصول سيفوته الكثير، ولن يتمكن من إيجاد الحلول الصحيحة والأحكام الشرعية للمستجدات التي يواجهها الناس؛ لأنه ضيَّع الأصول، فحفظ الفروع واعتنى بها لكن لا يستند في ذلك إلى أصول. أما هذا الذي يضبط الأصول ومناهج الاستنباط، ويعرف كيف تُبنى الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية، كيف يوفق بين الأدلة الشرعية إن ظهر فيها شيء من التعارض، ما الذي يعتمده للترجيح بينها، وكيف بعد ذلك يستنبط الأحكام الشرعية، وكيف يحقق المناط فيما يعنِيَنا في المجتمع.
هذا المنهج لو اعتمدناه في التعليم لسهل علينا صناعة أو صياغة البنية الذهنية للمتعلمين، بحيث يتمكنون من إيجاد حلول للمشكلات بمختلف أنواعها، من استيعاب هذه المتغيرات وردِّها إلى الأصول والقواعد والأسس التي تُبنى عليها، ولأمكن لهم استشراف المتغيرات والتهيؤ لهذه المتغيرات قبل حصولها.
هذه هي، هذا هو الذي نحتاج إليه باختصار شديد.
في كل ذلك لن نستطيع أن نستغني عن منظومة القيم والأخلاق الحاكمة لعملية التعلم والتعليم التي قُدِّم ذكرها من الصدق والأمانة والشفافية والوضوح؛ هذه هي أهم الركائز التي يمكن أن يُعوَّل عليها، لكن إذا ضبطنا المناهج والكيفيات، وعرفنا مقاصدنا التي نريد أن نصل إليها بناءً على معرفتنا باحتياجاتنا ومطالبنا من شتى العلوم والمعارف.
والله تعالى أعلم.