⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هو السؤال قد يبدو –يعني في ظاهره– يسيرًا بسيطًا، لكنه في الحقيقة مما بحثه علماء السلوك، علماء التزكية وتربية النفوس.
والخلاصة: أن المقصود أن يعظِّم المؤمنُ ربَّه تبارك وتعالى، فيملأ قلبه –أي يملأ المؤمن قلبه– بتعظيم ربِّه جل وعلا، فيراه في النعم التي يتقلب فيها، يراه في الابتلاءات التي يمر بها أو تمر به، يراه في أحواله المتغيِّرة التي هي بيده سبحانه وتعالى يغيِّرها كيف شاء، يراه في كل مظهر من مظاهر ذاته أو مما حوله، فيورثه ذلك أن يعمر قلبه بتعظيم ربِّه جل وعلا، فيزداد إيمانًا ويقينًا، وينشرح صدره وتطمئن نفسه، ويتذكر حقائق هذه الحياة وحقائق المَنقَلَب الذي يؤول إليه؛ هذا هو جوهر الذكر المطلوب من المؤمن.
يأتي بعد ذلك ما يتصل بأنه إذا عُمِر هذا القلب بتعظيم الله عز وجل، فإنه يسد المنافذ التي يمكن أن تلِج منها الوساوس والأوهام، وما يمكن أن يغتال نفسه من غلواء هذه الحياة الدنيا وشهواتها وزخارفها، ومن صوارف تُبعده عن تعظيمه لله تبارك وتعالى، ويمكن أن تُورثه ضعفًا أو ذُلًّا أو تهاونًا وتكاسلًا، أو أن تُنسيه حقيقة وجوده في هذه الحياة الدنيا وما ينقلب إليه؛ هذا هو الذكر المطلوب، وليس الذكر الفارغ الذي يكون باللسان.
الذكر باللسان وسيلة إلى مجاهدة هذه النفس لأجل إعمار هذا القلب بتعظيم الله تبارك وتعالى، لكن قد يكون بلا روح، قد يكون بلا روح، وهو حينئذ لن يحقق فائدته؛ ولكن مع المجاهدة والمداومة وحمل النفس على التدبر وعلى استشعار معاني ما يأتي به من أذكار، فإن هذه النفس ستستجيب بهذه المجاهدة؛ لأن ذلك من فضل الله عز وجل على عباده، قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]، وستُسدّ عنه أبواب الشيطان وأبواب الفتن والعداوات.
فعليه أن يستمر في اجتهاده لذكر الله عز وجل، مستشعرًا معنى ما يقول، متدبِّرًا فيما يقول، وهي ألفاظ بسيطة يسيرة، معانيها واضحة، وله أن ينظر في تكراره لهذه الأذكار والأوراد، أن ينظر مع كل مرة يأتي فيها بالذكر إلى معنى لطيف، إلى غاية يبتغيها: أن يتذكر ضعف نفسه، أن يتذكر عظمة الباري سبحانه وتعالى بهذا الذكر الذي يأتي به؛ فليحرص على ألا يجعل ذكره لله عز وجل فارغًا من الروح، أو أن يكون مجرد شَقْشَقَة باللسان.
لا نضيِّق على الناس؛ نعم سيحتاج الأمر إلى مُصابرة ومجاهدة، وأن يعتاد لسانه، وأن يحمل قلبه؛ لنفترض أنه يسبِّح الله عز وجل مائة مرة، قد تأخذه الأفكار بعيدًا في شتات أمره وفي أحواله في نصفها أو في أغلبها، لكن قد يستحضر في مرة واحدة أو في مرتين، فتنفعه تلك المرة، ثم هكذا يجاهد نفسه؛ ولا يسلِّم نفسه أنه اشتغل قلبه وانصرف عما يقول، فيقول بأن يترك ذلك خير؛ لا، لا يترك، عليه أن يداوم وأن يجاهد.
وأن يتخذ أيضًا من الصلحاء والقُرَناء الذين يذكرونه –ولا أقصد بـ«يذكرونه» أن يلزم أن يقول: تعال نذكر الله عز وجل ساعة، هذا محمود، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعلونه– لكن أن يُذكِّر عنده إذا في طريق دعاء السفر، إذا على ظهر الأرض أو إذا انخفض في واد، أو إذا رأى شيئًا يدعو إلى التعجب من قدرة الله عز وجل، أو إذا تذكر نعمة؛ فإنه يذكُر ذلك ليُذكِّر به مَن معه من إخوان وأصحاب ورفقاء في دربه.
إذا رأوا ما يثير الشهوات والفتن؛ فإنه يبادر إلى غض بصره وإلى ذكر الله عز وجل بالاستغفار والدعاء بالتثبيت وبصرف الفتن؛ فهذا فيه تذكير.
فإذاً فوائد الذكر لا تُحصَر، وينبغي للمسلم أن يجاهد نفسه وأن يحملها على الإكثار من ذكر الله تبارك وتعالى.