⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
ينبغي لنا أن نتعرف أولا على معنى التسبيح؛ إذ التسبيح لا يقتصر على ما يظنه كثير من الناس من أنه منحصِر في تنزيه المولى جل وعلا عن النقائص؛ لأن الذي نجده في كتاب الله عز وجل –كما ذكر السائل– إعلاء شأن التسبيح، والإتيان به في مناسبات شتى؛ فيأتي أمرا من الله تبارك وتعالى بالتسبيح، ويأتي وصفا لكل ما في هذا الوجود أنه يسبح لله تبارك وتعالى، ويأتي وصفا لعباد الله المؤمنين، ويأتي على ألسنة أصفياء الله عز وجل من الأنبياء والمرسلين والأتقياء، ويأتي التسبيح أيضا لوصف بعض مخلوقات الله عز وجل مما لا يعقل؛ فدل ذلك على أن للتسبيح شأنا عظيما، لا يقتصر معناه على مجرد تنزيهه سبحانه وتعالى عن النقائص التي يمكن أن تُنسب إليه.
فالتسبيح –فيما يظهر– هو الشهادة لله تبارك وتعالى بالكمالات مع التنزيه عن النقائص، بكل وسيلة ممكنة؛ فيحصل ذلك باللسان، ويحصل ذلك بالفكر والاعتبار، ويحصل ذلك بالانقياد والطاعة، كل ذلك إنما هو من التسبيح، وهذه المعاني مترابطة، لا ينفك بعضها عن بعض؛ فهي شهادة من هذا العبد بباطنه وظاهره لله سبحانه وتعالى الخالق المدبِّر الحكيم، بأنه موصوف بأسمى الكمالات جل وعلا، وأعلى الصفات، وأسمى وأحسن الأسماء، وأنه منزَّه عن كل نقيصة سبحانه وتعالى.
هذه الشهادة هي جريان من هذا العبد في فلك الطاعة والانقياد لله تبارك وتعالى؛ فظاهره وباطنه يشهدان لله تبارك وتعالى بالكمال، وينزِّهانه عن النقص، ويستصحِب الذكر باللسان، والخشوع بالقلب، والفِكر والتفكر بالعقل والنظر، والإقبال عليه جل وعلا بالامتثال، وإتيان ما أمر، والبعد عما نهى.
إذا استقر هذا المعنى سهل علينا أن نعرف منزلة التسبيح، ولِمَ نجد التسبيح كثيرا في كتاب الله عز وجل، وفي مناسبات كثيرة، في بعض المناسبات ليست يناسبها أن يكون المقام مقام تنزيه لله تبارك وتعالى وحسب؛ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء: 1]، ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة: 1]. هذه مقامات فيها شهادة لله تبارك وتعالى بالكمالات التي يتصف بها، الكمالات الربانية الإلهية التي يتصف بها، مع ما تتضمنه من تنزيه له عما لا يليق به من النقائص.
وهي في ذات الوقت –لأنها مأخوذة من السباحة، «سبح» أي الجري في الماء أو السباحة في الماء– فهي إقبال على الله تبارك وتعالى، هي مسارعة إلى الامتثال والإقبال والتعظيم، والشهادة له سبحانه وتعالى باطنا وظاهرا؛ فمن أجل ذلك يتكرر التسبيح، واحتل هذه المنزلة الكبيرة.
ومن شأن عباد الله الأصفياء أن يكونوا ذاكرين لله تبارك وتعالى، خصوصا بأصناف التسبيح المعروفة، كما كان هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
هذا والله تعالى أعلم.