⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهِّمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم إنك أنت العزيز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم.
أما بعد؛ فالجواب عن هذه المسألة يتبيَّن بتبيُّن معنى هذه الآية الكريمة، فقوله جل وعلا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ يُقْصَدُ به: أيْ بالِغُوا في التقوى حتى لا تتركوا من المستطاع منها شيئًا، هذا أفضل ما عُرِّفت به التقوى المأمور بها في هذه الآية الكريمة، نعم، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ أيْ بالِغُوا في التقوى حتى لا تتركوا من المستطاع منها شيئًا.
نجد في كتاب الله عز وجل ربنا جل وعلا يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ من قوةٍ ومن رباط الخيل، أي بالِغُوا في الإعداد حتى لا تتركوا مما تستطيعونه من الإعداد شيئًا، هذا هو المعنى.
حينما يقول أحدٌ لآخر: ذاكِرْ ما تستطيع، هل المقصود بذلك أن يُذاكر حينما تتاح له الظروف والأحوال؟ أو أن المقصود أن يجتهد في المذاكرة، أن يبالغ في هذه المذاكرة حتى لا يترك ما يستطيعه منها؟ هذا هو المقصود في مفهوم الناس، فلا أعرف لمَ سرى إليهم اللَّبس حينما تناولوا هذه الآية الكريمة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
أحسنُ ما ذُكِر في هذا ذكره العلّامة السيد رشيد رضا، نسبةً أيضًا إلى العلّامة الزمخشري، قال: بالِغُوا في التقوى حتى لا تتركوا من المستطاع منها شيئًا.
الذي أورث اللَّبس – لكن اللَّبس في الحقيقة – هو النظر: هل تتعارض هذه الآية الكريمة مع قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾؟ والصحيح أنها لا تتعارض، مع أن طائفة من المفسرين ذكروا أن هذه الآية – آية ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ – نُسِخت بآية ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وأن ذلك شقَّ على المسلمين حينما نزل قوله تبارك وتعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، قالوا: أن تطيع فلا تعصي، وأن تشكر فلا تكفر، وأن تذكر فلا تنسى، فوجدوا مشقة من ذلك حتى نزل قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
لكن الصحيح أنه لا تعارض بين الآيتين، فالآية الأولى أيضًا تدل على نفس ما تدل عليه الآية الأخرى – آية ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ – إذ المقصود ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أي: التقوى التامة، تقواه الواجبة، وما يحق له منها، مما هو – عبَّر عنه البعض في تعبيراتهم – يقولون: أي كمال التقوى في حدود الاستطاعة، كمال التقوى في حدود الاستطاعة.
فما فائدة هذا القيد، هذا الاحتراز: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾؟ قالوا: لإخراج ما لا مؤاخذة عليه من الإكراه والسهو والنسيان، وما أشبه هذه الأحوال التي لا مؤاخذة على العبد فيها؛ فلذلك لأن هذا الدين لا يأمر إلا بما هو مستطاع، والله تبارك وتعالى لم يكلِّف إلا بما هو في حدود قدرة العباد واستطاعتهم، فذِكرُ هذا القيد لإخراج ما تعلّق بما كان خارج استطاعة العبد.
ولذلك يأتي ما سئل عنه أيضًا في الجانب الفقهي: كل ما كان متعذِّرًا على المكلَّف، فيبلغ به حدَّ الضرورة، فهو غير مؤاخذٍ به، ويتسع هذا الدين حينئذٍ للتخفيف والتيسير عليه، تكون التقوى بحسب ما يستطيع، يُبالغ مجتهدًا في تقوى الله تبارك وتعالى حتى لا يترك شيئًا مما يستطيعه، أمّا ما فوق استطاعته فهو معفوٌّ عنه، وهذا مضطرد في المأكولات، في المشروبات، في أداء العبادات البدنية، المالية، إلى آخره.
بالمناسبة هناك – وهو قول حسن أيضًا – مَن قال: بأن ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ تتعلَّق بجوانب الإيمان والعقيدة؛ لأن الله تبارك وتعالى في هذه الآية في آل عمران قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، وهنا قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾، فهذه في العمليات وتلك في الاعتقاديات؛ إذ الاعتقاد – ما يتعلَّق بإيمان الإنسان وتصديقه ويقينه – هذا فيه جزم، هو خارج عمَّا يمكن أن يتعرَّض للإكراه والسهو والنسيان، إن حصلت غفلة في أمر أو خاطر فعليه أن يدفعه، شيء من الوساوس، شيء من الأوهام عليه أن يدفعه. هذا المعنى أيضًا حسن، ونقله السيوطي في «معترك الأقران» عن أبي الحسن الشاذلي هذا المعنى، ونقله غيره أيضًا عنه.
والله تعالى أعلم.