⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، الضمير في، أو المقصود في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 202]، يعني للمفسرين فيه اتجاهات، لكن المؤدى واحد أو قريب أو متقارب.
فمنهم من يقول: إن سياق السورة الكريمة يتكلم عن الجاهلين والمشركين، وأن ما ورد في الآية قبل هذه الآية الكريمة إنما هو على سبيل الجملة المعترضة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201]؛ هذا استثناء، حتى لا يفهم أن عموم الحديث في السياق إنما هو عن المتقين؛ هذه هي الجملة المعترضة، هذه هي الصورة المستثناة، وإلا فعموم الحديث في السياق إنما هو – بدليل أن الآية أو بعض الآيات قبلها ببضع آيات: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199] – فالحديث عن الجاهلين، الحديث عن المشركين، الحديث عن أهل الضلال، الحديث عن الشياطين وأوليائهم في السورة؛ فـ «إخوانهم» أي: إخوان الشياطين وأوليائهم الذين يوالونهم ويتبعونهم، ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ أي: لا ينكُفُّون عن غيهم وعما هم سادرون فيه من ضلال وانحراف.
فتكون الفائدة في بيان هذه الصورة مع الآية قبلها، مع السورة، مأخوذة من الآية قبلها: التضاد؛ فكأنه أُريد إظهار صورتين متضادتين: صورة جاءت على سبيل الاستثناء في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾، هذه هي الصورة المستثناة، صورة الأتقياء، وصورة تتناسب مع سياق السورة الكريمة، وهي صورة أهل الغي والضلال: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾.
ومنهم من يقول: إن الضمير معلوم للعلم به، يعني أُتي بالضمير عن الاسم الظاهر للعلم بهذا؛ وكذلك قلتُ بأن مؤدَّى القولين واحد، أو مؤدَّى الاتجاهات واحد؛ فهؤلاء ينظرون إلى الآية قبلها وإلى السياق، فيقولون: إن الحديث معلوم بأن هذه الآية تخص غير المتقين، وما شأن هؤلاء؟ هؤلاء موالون للشياطين، وجاء هنا بصيغة الجمع؛ لأن المقصود: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ﴾، هذا الشيطان المقصود به الجنس، ولذلك ساغ أن يُعاد إلى صيغة الجمع في الآية بعدها، فيقول: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ أي: إخوان الشياطين؛ فالعود بصيغة الجمع هنا لأن المقصود بالشيطان هناك الجنس، جنس الشيطان وأعوان الشيطان.
ومن هم هؤلاء؟ إخوان الشياطين هم أهل الضلال من أهل الكفر والفسوق والغي والانحراف، هؤلاء كلهم مقصودون، مشمولون بالمعنى الكريم: ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ﴾، وصيغة الفعل المضارع تدل على أنهم مستمرون، مداومون على الإضلال، وأن هؤلاء مستجيبون لهم؛ فالشياطين، شياطين الإنس والجن وأولياؤهم، مستمرون في المَدَد بالغي والضلال والهوى والشهوات، وأولئك مستمرون في تلقي ما يستجيبون به لهذا المدد، مدد الغي والضلال، عياذًا بالله.
ولذلك قال: ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ أي: لا يتركون، لا ينكفُّون عما هم فيه من الغي والضلال.
هذا هو معنى الآية الكريمة.
والله تعالى أعلم.