⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الحديث: «لا يأتي عام إلا والذي بعده شرٌّ منه حتى تَلْقَوْا ربكم»، والرواية الشهيرة عند الإمام البخاري من طريق أنس بن مالك قال: «لا يأتي زمان إلا والذي يأتي بعده شرٌّ منه حتى تلقوا ربكم»، وفي رواية: «لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شرٌّ منه حتى تلقوا ربكم»، وفي رواية: «أَشَرُّ منه» بالهمزة، حتى تلقوا ربكم.
فالحديث صحيح، واختلف أهل العلم في توجيهه اختلافًا كبيرًا؛ فمنهم من قال: إن المقصود بذلك ما يتعلق بالعلم والعلماء، وأن الله تبارك وتعالى يقبض العلماء فينتشر الجهل، فيكون كل زمان أسوأ مما قبله لقلَّة العلماء وانتشار الجهل فيه. ولكن سياق الحديث يَرُدُّ هذا المعنى، مع أن أكثر شُرَّاح الحديث ينص على هذا المعنى، وظني أنهم ينصون على هذا المعنى فرارًا متعمَّدًا من السياق الذي ورد فيه.
فإن السياق ورد أن نفرًا اشتكوا إلى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه ما يلقونه من الحجاج، فقال لهم: «اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شرٌّ منه حتى تلقوا ربكم». فالحديث يتعلق بالولاة والحكام، جانب السياسة؛ فلا ينبغي أن يُخرَج عن سياقه، أو – على أقل تقدير – أن لا يُلتفَت إلى المناسبة التي ورد فيها.
فما أفضل الوجوه التي يمكن أن يُحمَل عليها الحديث، أي معنى من المعاني – سواء قلنا بأن المقصود ما يتعلق بالولاة والحكام، أو أن المقصود هو ما يتعلق بالعلم والعلماء، أو أن المقصود هو ما يتعلق بعموم أحوال الناس؟ أفضل الوجوه أن يُقال: بأن هذا الوصف وصف أغلبي؛ فهو وصف للمجموع لا للجميع؛ فهذا هو الشأن في عموم أحوال الناس عمومًا، لكن لا يعني ألا يظهر في زمان متأخر من هو أفضل، أو أن يكون الحال أفضل مما تقدم؛ فهو في الأفراد توجد صُوَر مستثناة تحصل لعموم هذه الأمة.
ولذلك ضربوا لذلك مثالًا – حتى فيما يتعلق بمناسبة الحديث – أن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه خير ممن تقدمهم من حكام بني أمية، وهو متأخر عنهم، متأخر عن الحجاج؛ فلما سُئل أنس، قال: لا بد للناس من تَنْفِيس، فهذا التنفيس يكون خيرًا مما قبله.
إذًا الوجه الأول هو أن هذا الوصف هو وصف أغلبي للمجموع؛ فلا يلزم منه أن يكون الحال كذلك في كل مكان وفي كل وقت؛ قد يوجد مكان يكون ذلك الجيل فيه خيرًا ممن قبله، من حيث الصلاح والهدى والرشد والعلم والإقبال على طاعة الله تبارك وتعالى، وإن كان في محيط يغلب عليه الشر، أو أن يكون زمان – قد يكون الاستثناء لا في مكان، وإنما في وقت من الأوقات – في عموم توجه المسلمين وصحوتهم وإقبالهم أن يكون خيرًا مما قبله، تنفيسًا للمسلم.
هذا الوجه الأول الأشهر في حمل ما جاء في الحديث.
بقي النظر كذلك في الحال إذا قيل: فيما يتعلق بالعلم والعلماء، فيُجرى عليه ما قيل فيما تقدم. لكن هناك ملحظ، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم ينفِ الخيرية عن هذه الأمة؛ ففي بعض الروايات: أنه عليه الصلاة والسلام قال: «أمتي كالغيث، لا يُدرى أوله خير أم آخره»، وفي رواية أخرى – والرواية حسَّنها كثير من أهل العلم، بل صححها بعضهم – قال: «إن الله ليبعث على هذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها»؛ فأن يستمر الحال من سيِّئ إلى أسوأ يخالف ما يدل عليه هذا الحديث: أن الله تبارك وتعالى يبعث على رأس كل مئة سنة من يجدد في هذه الأمة أمر دينها.
فغاية ما يمكن أن يُوَجَّه له الحديث هو ما تقدم: أن هذا باعتبار المجموع، وأنه في عموم أحوال المسلمين، وفي الحكام والولاة على وجه الخصوص، وأن ذلك لا ينفي أن يوجد في مكان ما، أو في زمان ما، جيل يكون خيرًا ممن تقدم، وأن توجد أحوال تكون خيرًا مما تقدمها.
وفي كلٍّ، فإن على المسلمين أن يجدُّوا ويجتهدوا ويُقبلوا على الله تبارك وتعالى، وأن يأمروا بالمعروف، وأن ينهوا عن المنكر، وأن يستبشروا بما أودعه الله تبارك وتعالى لهم في هذا الدين من بشارات، ومن مراشد وهدايات.
والله تعالى أعلم.