مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

تفسير آية الفرح بالحمد

في قوله تعالى: «لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا...»، هل هناك أقوال أخرى في تفسيرها، وهل يجوز طلب الحمد بما فعل الإنسان؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
ظني أن ما ذكره الإمام الرازي يتعلق بسبب نزول هذه الآية الكريمة، فإن فيها أقوالًا عند أهل العلم؛ فقيل بأنها نزلت في اليهود، واختلف في السبب: هل لأنهم يكتمون ما أنزل الله، ثم يظهرون عند الناس بأنهم القائمون بدين الله تبارك وتعالى، وأنهم الأحبار والعلماء فيحبون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا، أو أنها نزلت في عموم أهل الكتاب الذين أيضًا يكتمون ما أنزل الله تبارك وتعالى، ويظهرون أنهم القائمون بدين الله، وهم على خلاف ذلك، وهم مع هذا فإنهم يتطلَّبون الثناء والمدح من الآخرين، أو نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام، ثم جاءوا معتذرين فقبل عذرهم، فظنوا أن ذلك بمجْزَر حوا بما لم يفعلوا، أقوال، هناك أقوال أخرى تدور حول مناسبة النزول. أما معنى الآية الكريمة في هذا الجزء الذي يسأل عنه، وهو قوله: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾، فأولًا: في الآية الكريمة هناك ثلاث خصال: الخصلة الأولى: أن هؤلاء الذين أصابهم الذم والوعيد في هذه الآية الكريمة كانوا على خلاف الحق، كانوا معارضين للحق، إما بكتمانه وإظهار ما سواه، أو بالتخلف عن مناصرة الحق، أو بالكيد للحق وأهله، فهذا الفعل الذي فعلوه. ثم إنهم أظهروا خلاف ذلك، وهذه خصلة ثانية، مذمة ثانية. ثم إنهم طلبوا أن يُحمدوا على ما لم يفعلوا، أن يُحمدوا بحسن السيرة واستقامة المسلك. هذه ثلاث خصال. وفيما في الخصلة الأولى والثانية ليس هناك إشكال في ما يتعلق بمعارضة الحق أو كتمانه عند الحاجة إليه؛ نعم، فإن هذا الوعيد يشمل كل أحد، سواء كان من أهل الكتاب أو من أهل هذه الأمة، وكذا الحال بالنسبة للخصلة الثانية، وهي أنهم -كما تقدم- يعتذرون أو يظهرون خلاف ما يُبطنون، فهذه أيضًا من صور النفاق التي عليها وعيد شديد وتقبيح في هذا الدين. بقيت الخصلة الثالثة: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾، هي التي يشير إليها، فهل هذا يُؤخذ منه جواز الثناء والحمد على ما فعله الإنسان؟ نعم، لأن العِتْبَة هنا جاء: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾، ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾. والوجه الأفضل -اختصارًا- لتوجيه هذا القول هو ما ذكره صاحب المنار العلامة السيد رشيد رضا في تفسيره؛ حيث قال: بأن حب الثناء هو قدر فِطري في بني البشر؛ نعم، وهذا الدين جاء مراعيًا لهذه الفطرة، وعلى هذا فإن الفعل الذي يُحمد عليه صاحبه إذا لم يُفضِ إلى عُجْب أو غرور، ولم يترتب عليه خيلاء أو كِبْر، ولم يُنسِ حق المنعِم والشكر له على ما تفضل به عليه، وأداء حق هذه النعمة، فإن هذا القدر مأذون به في هذا الدين؛ نعم؛ لأنه يكون سببًا لمزيد من الثبات على الصلاح والخير والاستقامة، ويكون داعيًا إلى مزيد من الإحسان، فهذا القدر مسموح به. واستشهد بقول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]، فالابتهاج والفرح بما فعله المسلم إذا خَلَا من أدواء العجب والغرور والخيلاء وتطلب السُّمْعة والمراءاة، وإذا خلى مما يُثبِّط الهِمَّة عن الثبات والمواظبة على العمل الصالح ومناصرة الحق، فإنه لا إشكال فيه، وإنما الذم لمن يُصيبهم العجب ويغترون بكلام الناس والثناء، ثم يتطلَّبون ولو لم يفعلوا شيئًا، فإنهم يتطلَّبون الثناء، يسعون إلى السمعة، يطلبون المدح والحمد من الناس على ما لم يفعلوا، ويلتذون بذلك، ويدفعهم هذا إلى الخيلاء والكبر على الناس، وينسون حقوق المنعِم، ولا يستعملون النعمة في وجهها الشرعي، وإنما يستعملونها في ملذاتهم وفي شهواتهم؛ فهذا هو المحذور في هذا الدين؛ نعم. فبهذا المعنى يتبين ما تدل عليه الآية الكريمة، لكن هذا المعنى لا يعني أن هذه الخلال سهلة المنال؛ نعم، لأن هذه النفس البشرية قد تجمح بهذا الشخص بعيدًا، بهذا الإنسان، بهذا المكلَّف، وتختلط عليه الأمور فيسيء من حيث يظن أنه يُحسن؛ نعم، أو يمكن أن يُخالطه شيء من العجب، فيتطلب ذلك، في حين أن المطلوب أن يَخْلُو قلبه من هذه الآفات؛ نعم، وأن يكون حريصًا على تتبُّع دواخل نفسه بحيث لا يشوب نفسه شيء من هذه العلل والأمراض القلبية التي يمكن أن تُصيبها؛ نعم، فيحذر من ذلك أيما حذر، فإذًا هذا هو القدر المسموح به شرعًا، وذلك هو القدر المذموم، والله المتوَّلِي، والله تعالى أعلم. نعم، لأنه فعلًا كما تفضلتم أحيانًا تأتي الآيات القرآنية تمتدح بعض الصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ... طيب، هل مثل هذا الفخر، فضل الشيخ، استنادًا إلى أن أبا سفيان يحب الفخر أيضًا أحيانًا لدى الإنسان رغبة في أن يحصل على بعض المكانة الاجتماعية؟ كان ذلك مراعاة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمكانة أبي سفيان، ولأنه في حالة انتصار، لكن أقرب ما يمكن أن يُعوَّل عليه هو دعاء خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام حينما قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: 84]. فهذا المعنى هو الذي يمكن أن نوجِّه به دعاء إبراهيم الخليل؛ نعم، وهو دعاء عام، ليس خاصًا به؛ هناك بعض الأدعية في كتاب الله عز وجل خاصة بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام الذين صدرت عنهم، كدعاء سليمان عليه السلام: ﴿... وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ...﴾ [ص: 35]، وهذا ما أكدته سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام حينما قال عليه الصلاة والسلام -قال-: فتذكرت دعوة أخي سليمان في مسألة الجني أو الشيطان أو الذي ربطه وقي... فلنَعُد الآن إلى دعاء الخليل، أنه: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾، إنه دعاء عام، يصلح أن يدعو به المسلم، لكن بمثل هذا الوصف المتقدم هنا في دعاء الخليل إبراهيم، المسألة أيسر على النفس؛ نعم؛ لأنه يطلب الثناء الحسن بعد وفاته؛ نعم، وهنا هذه الآفات التي قلنا بلزوم اجتنابها من العجب والخيلاء والاغترار وبطر النعمة وكفران منته؛ نعم، فتتجه الذكرى الحسن إلى الدعاء، وهذا ما حصل للخليل إبراهيم عليه السلام؛ نعم، إنه لا يُذكر إلا ويُصلى ويُسلم عليه، وإن ذكرى نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم اقترن أيضًا حين الصلاة والسلام عليه بخليل الله إبراهيم عليه السلام، واقترن أيضًا بذكره بالخير والدعاء له. فهنا المسألة أوضح، لكن قدر ما يُخالط النفس من الرغبة في بقاء الثناء والذكر الحسن الجميل عند الناس هو الذي يتصل بمعنى هذه الآية الكريمة، المقيَّد كما قلنا بخلو الحال من هذه الآفات والأدواء النفسية التي تقدم ذكرها، والله تعالى أعلم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٧‏/٤‏/٢٠٢٤👁 2 مشاهدة
🎬

#فتاوى_متنوعة - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي - 27 رمضان 1445 هـ

السيرة النبويةالقران الكريم

✦ فتاوى مشابهة

معنى لا يحب الفرحين

2 👁

ما تفسير قوله تعالى: "إن الله لا يحب الفرحين"؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٦‏/٤‏/٢٠٢١

معنى لا يحب الفرحين

2 👁

ما تفسير قوله تعالى في قصة قارون: لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين، ومن هم الفرحون المنهي عنهم؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٧‏/٥‏/٢٠١٣

خشية عباد الرحمن من الآخرة

0 👁

ما الذي جعل عباد الرحمن يشفقون من الآخرة ويخافون يومًا كان شره مستطيرًا مع أنهم مسارعون في الخيرات، وكيف يحقق الإنسان الخشية الحق من الله؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٧‏/٤‏/٢٠٢٤

تحقيق السعادة

2 👁

كيف يحقق الإنسان السعادة وفق الهدي القرآني؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٠‏/٩‏/٢٠٢٠

نقل تفسير آية

2 👁

هل يجوز لمن سمع تفسير آية من عالم ثقة أن يفسرها لغيره، أم يدخل في وعيد من فسر القرآن بغير علم؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

توفيق آيات الإطعام

2 👁

كيف نوفق بين قوله تعالى ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون وبين الآيات التي تحث على إطعام الطعام؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٤‏/٥‏/٢٠٢١