⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهّمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت العز الأكرم، وأنت الرب، وأنت الحكم. أما بعد:
فالجواب من الناحية الحديثية: نعم، صحت بعض الروايات، أو جملة من الروايات الواردة في الفتن والملاحم.
وللتفرقة قبل أن ندخل في شيء من التفاصيل؛ فإن الملاحم يُقصد بها في هذا السياق ما يتعلق بالاقتتال، التي يعظم بالمواجهات أو الحروب عظيمُ القتل، فهذه تُسمى مَلْحَمة. فالروايات الواردة في الملاحم هي تلك التي تتعلق بالمواجهات والحروب والاقتتال العظيم الشديد الذي يعظم فيه القتل.
وأما الفتن فصنوف الفتن، نعم، صنوف الفتن والابتلاءات، لا يلزم أن تكون الآثار والأحاديث الواردة في الفتن هي مما يتعلق بالاقتتال والحروب، أما الملاحم فإنها تنصرف –كما ذكر السائل– تنصرف إلى الاقتتام، هذا فقط من باب التعريف.
نعم من الناحية الحديثية، نعم، هناك جملة من الروايات التي وردت بأسانيد صحيحة، وليس في متونها شذوذ ولا علة حتى يقال بردها. نعم، هناك روايات ضعيفة كثيرة، هناك روايات شديدة الضعف، هناك روايات منكرة، ولكن تعميم القول بأن كل ما ورد مردود غير صحيح، وقبول كل ما ورد أيضًا من أحاديث الفتن والملاحم غير منصف، لا من الناحية الحديثية، ولا من الناحية من حيث مناهج البحث العلمية الرصينة.
ولكن عند النظر في أحاديث الملاحم أو أحاديث الفتن والملاحم ينبغي التنبه لجملة أمور:
أولها: أن منها ما وقع، ما شهد الواقع بحصوله وتحققه. فاستبعاد بعض الناس لحصول ما ورد في هذه الآثار، وأنه من علامات الساعة، أو أنه يحصل في آخر الزمان، وأن يكون ذلك قد وقع، لأن هذا يعني أيضًا هذا الاستبعاد غير وجيه؛ لأن مبعث سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة، وهو آخر الأنبياء والرسل، به خُتمت الرسالات السماوية، مؤذن بقرب الساعة. مبعثه مؤذن بقرب الساعة، فهذا مما ينبغي أن يتنبه له؛ يعني لا يلزم أن تكون هذه الأحاديث التي صحت مما يتعلق بالفتن والملاحم هي مما لم يشهده الناس بعد، فإن منها ما قد وقع وحصل، في النوعين: في أحاديث الفتن، وفي أحاديث أشراط الساعة عموما، وفي أحاديث الملاحم.
الأمر، التنبيه الثاني: هو ما يتعلق بالمنهج المتبع بالتعامل مع هذه الروايات؛ فالصواب أنها إذا كانت تتعلق بغيبيات تحتاج إلى يقين، فإن الصحيح الذي عليه جماهير أهل العلم أن الآحاد لا يُقبل في مسائل الاعتقاد. وهنا نتحدث عما يحتاج إلى قطع ويقين، نتحدث عن الأصول التي تُبنى عليها العقائد والتي يدين الناس بما تشتمل عليه، فهذه لا بد لها من أدلة قطعية. أما الروايات الآحادية فهي كافية للعمل، تورث غلبة ظن لكنها لا تورث يقينًا؛ فما تعلّق منها –في هذه الأحاديث الواردة في الفتن والملاحم– بعقائد، بيقينيات، فإن الأحاديث الآحادية لا ترقى إلى تحقيق ذلك.
وأما إذا كان من الفروع، حتى وإن كان أمرًا غيبيًا، لكنه من الفروع؛ ما يتعلق بأخبار يشهد الواقع أنها ممكنة الحصول، ولا تؤدي، ليس، لا تُبنى أحكام تشريعية، وإنما تكشف أحوالًا تقع، تكشف أحوالًا تقع في عالم الناس تحصل للمسلمين في تعاملهم مع غيرهم، فهذه يمكن أن تُقبل، لكن لا يُرتب عليها حكم شرعي، لا يُبنى عليها أحكام ويُبنى عليها معتقد، وإنما هي دليل إعجاز وصدق نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كما أنه يعني هي صالحة أيضًا لأخذ العِبرة والعِظة، ولأخذ الفوائد والدروس منها.
هكذا يُتعامل مع هذه الروايات، هذا مجمل ما يمكن أن يقال في أحاديث الفتن والملاحم على جهة الإجمال. أيضًا يعني يصعب أن نحصِر؛ لأنها مئات الروايات والأحاديث.
صح، لكن هل تُبنى عليها استراتيجيات؟ لا، هي تُخبر عما يقع، هذا الإخبار نعم يمكن؛ لأن حينما نتحدث عن الاستراتيجيات، الأصل أنها علم الاحتمالات المتوقعة والإعداد لها، فمن كان يُعِد خطة استراتيجية فإنه يضع كل الاحتمالات ويبني عليها الترتيبات والإعداد اللازم لكل احتمال منها، بحيث لا يُفاجأ إذا حصل شيء على خلاف توقعه؛ فإن عنده أيضًا ما أعدَّه للاحتمال الآخر ولو كان ضعيفًا بعيدًا، فنعم، هي تنفع في هذا الباب، في هذه الحدود.
لكن أن يُعوَّل عليها؛ بمعنى أن ما ورد في… لنأخذ على سبيل المثال ما ورد في فتح القسطنطينية، فهذا لا شك أنه أوجد باعثًا عند المسلمين، أنه حفزهم لتحقيق هذه الغاية، لكن هل كان ذلك هو الباعث؟ هل كان ذلك هو الذي حدا بهم؟ أو أنهم حينما أيضًا واجهوا الصليبيين وحرروا بيت المقدس، هل كان باعثهم انتظار المغيَّبات، أو أن باعثهم أداء الواجب الشرعي الذي بنوه على أحكام شرعية، على أدلة من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟
فإذا فُهمنا لأحاديث الفتن والملاحم يجب أن يُصحح، ينبغي أن يُصحح على هذا النحو المتقدم على الأقل، ولو في هذه القواعد العامة المجملة.
والله تعالى أعلم.