⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ، وَرَسُولُهُ، وَالْمُؤْمِنُونَ، وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: 105].
نجد في هذه الآية الكريمة أن الله تبارك وتعالى يأمر عباده بالعمل؛ السياق الذي وردت فيه الآية الكريمة هو سياق التوبة من التخلف عن الجهاد، ودخل فيهم من لحقهم ما لحقهم، الآن ما الذي يثبت أن التوبة صادقة، وأن القصد إليها كان خالصًا لوجه الله تبارك وتعالى، وأن الرغبة في التغيير إلى ما هو حسن صالح، وما هو خير مقبول عند الله عز وجل؟ الذي يثبت ذلك كله إنما هو العمل؛ فالله تبارك وتعالى أمر عباده بالعمل، وذكَّرهم بأن الله عز وجل مطلع على أعمالهم؛ ليبعث فيهم وازع الإيمان، ليراقبوا أنفسهم من ذوات أنفسهم؛ فهو التزام ذاتي قبل أن يكون إلزامًا من الخارج، هي مراقبة لله عز وجل في كل الأحوال، في السر والعلن، في الظاهر والباطن، في الجمع والخلاء، في كل الأحوال؛ عقيدة راسخة في نفس هذا المكلَّف أن الله تبارك وتعالى مطلع على هذا العبد، مراقب لأعماله، سائلٌ عنها يوم القيامة حينما يقف بين يديه، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا، فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ، وَرَسُولُهُ﴾؛ السلطة القائمة؛ فالرسول هنا يطَّلع على أصحابه على ما ظهر له منهم، لكن ليس المقصود الرسول بكونه رسولًا نبيًّا، وإنما باعتباره حاكمًا، مرجعًا، باعتباره السلطة القائمة؛ فإذًا هناك مسؤولية للمراقبة، ولسنِّ الأنظمة والتشريعات، ولحثِّ الناس ودعوتهم إلى التمسك بمبادئ الصدق والأمانة، والتزام شرع الله تبارك وتعالى، ويدخل في ذلك مسؤولية السلطة القائمة في منع كل صور الغش والتزوير والتدليس من أي أحد كان، سواء كان ممن عظُمَ مكانُه في المجتمع، أو ممن صغر مكانه في المجتمع؛ لأن الخطر داهم، سيشمل الجميع، وسيقوض أركان المجتمع بأسره.
ثم قال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ في الآية الكريمة: ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ، وَرَسُولُهُ، وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، وهي رقابة المجتمع، رقابة عموم المسلمين أمرًا بالمعروف، ونهيًا عن المنكر، وحِسبةً لله تبارك وتعالى في النصح، وفي تغيير المنكر، وفي الوعظ والإرشاد، واتخاذ التدابير الكفيلة بتحقيق رقابة مجتمعية يسودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح لله تبارك وتعالى، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر؛ لأنه من حق الفرد على مجتمعه أن يؤدوا له هذا الدور، ومن واجبهم أن يؤدوا هذا الدور.
إذًا هذه رقابة ثالثة أو سلطة ثالثة مع الرقابة الذاتية ومع السلطة القائمة، هناك رقابة مجتمعية.
ثم يذكر الله تبارك وتعالى هؤلاء جميعًا، قال: ﴿وَسَتُرَدُّونَ﴾ جميعًا ﴿إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾؛ فكلٌّ سيسأل عن دوره وواجبه: هل أدَّى؟ وما كان جوابُه حينما أُدِّيَ إليه هذا الحق الذي يراه؟ هل استجاب؟ هل استنصح؟ هل انتصح؟ هل قبل الحق؟ هل انتهى عن المنكر؟ فكلٌّ سيسأل عن واجبه وأمانته ومسؤوليته حينما يُردُّون جميعًا إلى الله تبارك وتعالى الذي لا تخفى عليه خافية، المطلع على هذه الأعمال جميعًا.
فهذه هي مسؤولية الجميع، والله تعالى أعلم.