⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
المسألة أكبر مما يتعلق بما يجده الصائم من الإحساس بالجوع، ومن ما يمكن أن ينغِّص عليه من العطش والجوع، المسألة أكبر من ذلك بكثير؛ فإن رسالة هذا الدين، وما جاء في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مبينًا مبسوطًا، تصوغ من هذا المسلم عبدًا لله تبارك وتعالى موحِّدًا له جل وعلا، مخلصًا له الدين، بأن يكون صاحب رسالة في هذه الحياة، وهذه الرسالة تتلخص في أن يقوم بالقسط في هذه الحياة؛ فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾، والله تبارك وتعالى يقول على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾، ويصف هذه الأمة بقوله: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾.
إذا كل ما ورد من أصول العقيدة، ومن العبادات، ومن أخلاق هذا الدين، يصوغ بناء هذا المسلم ليكون صاحب رسالة وهدف في هذه الحياة، ورسالته حينما يأخذها من المصادر التي أكرمه الله عز وجل بها، وهي كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القولية والفعلية والتقريرية، سيجد أنها مناصرة الحق، وبسط العدل، ورفع الظلم عن المظلومين، وإشاعة الفضيلة في هذه الحياة، ومواجهة الفتن والشبهات، ورد هذه الشُّبَه، ودحض الباطل، ونصرة الحق، وعون المظلومين.
إذا هذه رسالة المسلم في هذه الحياة، لا يمكن للمسلم أن يعيش بدونها، لا يمكن للمسلم أن يعيش في هذه الحياة فارغًا خاليًا من رسالته التي نيطت به وكُلِّف بها إذا كان منتسبًا إلى هذا الدين. تأتي بعد ذلك العبادات لتذكِّر في نفسه، فيأتي الصيام، ونحن في مدرسة الصيام الآن، ليذكِّره أيضًا بمنَّه عبدًا مطيعًا لله تبارك وتعالى ممتثلاً لأمره، فيذكِّره برسالته، وهذا الصيام يدعوه إلى أن يتذكر إخوانه المظلومين، وأن عليه أن ينصر الحق وأهله، وأن يسعى إلى نصرتهم قدر ما يستطيع؛ فإذا لسعته حرارة الجوع تذكَّر جوعهم، وإذا أتعبه العطش تذكَّر عطشهم، فسعى إلى أن يمدَّ يدَ العون إليهم بما يستطيع، وبالقلب، وبكتابته، وبلسانه، بأن يمد يده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بالتذكير بالقضية، بتعريف الآخرين بقضيتهم وبمظهرها في عصرنا الحاضر هذا.
وإذا تلبَّس بحالة القيام في رمضان فإنه أيضًا يتذكر أن إخوانًا له محرومون من المساجد؛ لأن المساجد هُدِمت، وأنهم ممنوعون بسبب الخوف والرعب الذي يفعله العدو الغاشم فيهم رجالًا ونساءً وأطفالًا وشيوخًا وعبّادًا، فعليه حينئذ أيضًا أن يتذكر رسالته، وأن رسالته أن ينصر صور المظلومين، وأن يقيم العدل في هذه الحياة بما يستطيع من وسائل، وما مكَّنه الله تبارك وتعالى وسخَّره له، وأن يرفع عنهم الظلم قدر ما يستطيع، وأن يردَّ الأباطيل والشبهات التي تُثار حولهم.
إذا كيفما قلَّبنا وجوه العبادات جميعًا، وكيفما نظرنا إلى الصيام وفقه الصيام وفلسفة الصيام، سنجد ما يدفع هذا المسلم الصائم، سنجد ما يدفع هذه الأمة بمئات ملايينها إلى أن يجعلوا مناصرتهم لإخوانهم في غزة وفي عموم فلسطين ببسط العدل لهم، وإيصال الحق إليهم، ورفع الظلم عنهم، والتعاون على ما يبلِّغهم حقوقهم المشروعة، وما يرفع عنهم كيد الطغاة المعتدين، وإظهار الصورة الحقيقية لهؤلاء المحتلين المعتدين الغاشمين بكشف أباطيلهم، وبيان زيف ما يدَّعونه، ورد أكاذيبهم، وتهييج العالم عليهم، وكشف حقائقهم أمام العالم أجمع بمختلف اللغات وعبر كل المنصات.
سنجد أن كل هذه الأعمال يندفع إليها المسلم إذ كائن من روح الصيام وروح العبادات، وهذه هي حقيقة التقوى؛ ليست التقوى مجرد شعار يرفعه المسلم ليكون منزويا في زاوية من زوايا الحياة بعيدًا عن قضايا أمته، وعن رسالته في هذه الحياة، وعن ما سيسأل عنه بين يدي الله تبارك وتعالى في المنقلب. فبهذا تبقى هذه القضية حيَّة في ضمائر المسلمين، وتبقى حيَّة بما يؤدونه من حقوقها عليهم؛ فإن هذا ليس بتفضُّل من أحد على أهل غزة أو أهل فلسطين، وإنما هو قيام بالواجب، فمن قام بالواجب فقد أبرأ ذمته، ومن تخلَّف فإنما ردُّه إلى الله تبارك وتعالى الملكِ الحكمِ العادل.
والله تعالى المستعان.