⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الدكتور حميد يقول: لماذا جاء في سورة الشعراء في قوله تعالى: ﴿فَأْتِ فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ بإفراد «رسول»، في حين جاءت «رسولا» في سورة طه: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾؟
الجواب: الحقيقة أن هذا الإعجاز البياني فوق ما يتصور الإنسان، سبحان الله.
تقدَّم القول في جوابٍ سابق بأن سورة الشعراء فيها تفاصيل أكثر لما دار بين موسى عليه السلام وهارون عليه السلام مع فرعون، وأنها تعرض أشد المواقف بأكثر التفاصيل، كان ذلك في التعليق على ما ورد في سورة الشعراء من قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾.
الآن عندنا صورة في سورة معيَّنة، مشهد في سورة الشعراء وفي سورة طه؛ في طه قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، وفي الشعراء: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
سورة طه فيها تلطُّف: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾، ولذلك تجد أن الصور المعروضة والمشاهد تعرض هذا الجانب، جانب التلطُّف، ومن هذا التلطُّف: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾؛ فالخطاب، الإضافة إلى رب فرعون بتذكيره أنه ربُّه تبارك وتعالى، وأننا رسولان.
أما في الشعراء: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ بالإفراد، والإضافة إلى العالمين؛ أولًا من حيث الصناعة اللغوية: يجوز في «رسول» الإفرادُ والتثنيةُ والجمع، كما في «طفل» و«ضيف»، تُصدَق على الواحد وعلى الاثنين وعلى الجماعة، فهي من حيث الوضع اللغوي تصح في الإفراد – لوحظ المصدر – وفي التثنية والجمع يُلحَظ الاسم.
إذاً: هناك في طه لوحظ الاسم: إننا هارون وموسى رسولان من عند الله تبارك وتعالى إليك، هنا لوحظت الماهية:
أولًا: لا تلطُّف فيها: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، حتى الإضافة ليست إلى المخاطَب، ثم إنهم يركِّزون على الماهية، يعني الصيغة المعروضة: «رسول رب العالمين» على المصدر، على المعنى المأخوذ من المصدر، وكأنها ماهية واحدة كما يقول الرازي؛ فالمقصود هو التذكير بالرسالة نفسها، هذا وجه.
وإنَّا وإن كنا رسولين، إلا أن رسالتنا واحدة وقولنا واحد، هذا المعنى الثاني، فيؤكِّدان له أن ما أتيَا به واحد، وإن كانا رسولين.
والمعنى – أو الوجه – الثالث هو عكس الوجه الثاني، هذا هو التذكير بأن كل واحدٍ منهما يؤدي هذه الرسالة: «إنَّا رسول رب العالمين»، فكل واحد منهما يقول له ذلك، كل واحد منهما يبلِّغه هذه الرسالة.
والأمر الرابع هو ما يتعلق بمعنى الوحدة أو الإفراد في هذه اللفظة، لما يقولان: «إنَّا رسول رب العالمين»، فالمقصود مضمون الرسالة؛ كيف ذلك؟ يعني تقدَّم أن المقصود الرسالة أو يُلحَظ معنى الرسالة، لكن التكييف هو: إنَّا ذو رسالة، فنحن أصحاب ذو رسالة واحدة إليك؛ لتكون أقوى في البلاغ وأكثر تأثيرًا في المتلقي.
هذه هي الوجوه التي علقت بذهني في الفارق بين ما ورد في سورة الشعراء في هذا الاستعمال بين التثنية لملاحظة أنهما رسولان وسياق التلطُّف، وفي الإفراد لملاحظة معنى المصدر والماهية كما يقول الرازي، وإيصال الرسالة بكل وضوح وقوة وجُرأة في سياق المناظرة والمحاورة التي كانت بينهما وبين فرعون.
والله تعالى أعلم.
يبقى سؤال، ولكن أيضًا بقيت معنا دقيقة، وهو: ما الذي حدث فعلًا في الواقع؟ القرآن الكريم – كما تفضَّلتم – هنا مراعاة لسياق الآية في النص وفي المشهد الذي يقتضي هنا لطفًا ويقتضي هنا حزمًا، لكن ما الذي حصل فعلًا؟
كل ذلك حصل؛ لأن محاورة موسى وهارون عليهما السلام لفرعون لم تكن للقاء واحد وانقطع، وإنما هي محاورة ومجادلة وأخذٌ ورَدٌّ، ولذلك يعرض القرآن الكريم في سورة الشعراء ردود فرعون، وهذا لم يحصل في الأعراف، لم يحصل كثيرًا في طه؛ يعرض أن هناك مجادلة ومحاورة، وأن هناك تكرارًا، وأن هناك عرضت سورة طه جانب اللطف واللين، وعرضت سورة الشعراء الجانب الآخر في الحوار، وما بلغ إليه الحوار في الآية السابقة – على سبيل المثال – التي تعرضنا لها في نصف دقيقة، أقل من نصف دقيقة، فيما قالوا: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾، هنا المتكلمون لم يكونوا واحدًا، هناك كثرة من المتكلمين الذين يتزلفون إلى فرعون، ويطالبون بالإتيان بالسحرة؛ فمنهم من قال: ﴿بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾، ومنهم من قال: ﴿بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾؛ عرض لنا القرآن الكريم مشهدًا، جانبًا من هذا المشهد في موضع يتناسب مع الجو العام للسورة، وعرض لنا مشهدًا آخر، جانبًا من هذا المشهد يتناسب مع الجو الآخر لتلك السورة، وكل ذلك حصل في القرآن الكريم.