⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، هذه المسألة فيها خلاف، وقد لا يتسع الوقت لذكر الخلاف كله، لكن سنأخذ منه قدر ما ينفعنا للجواب عن هذا السؤال.
العبادات تنقسم –باعتبار أدائها– إلى نوعين:
ما كان منها مقصودا لذاته، فالمطلوب إيقاعه لذاته، وما كان منه غير مقصود لذاته كركعتي دخول المسجد، فهما غير مقصودتين لذاتهما؛ فقد يدخل الداخل ويصلي فريضة –على سبيل المثال– وهنا يتحقق المطلوب، فهذه وسيلة أو عبادة لا تقصد لذاتها.
إذن باعتبار الأداء تنقسم العبادات إلى هذين النوعين.
الآن: العبادات التي تقصد لذاتها من الفرائض أو السنن المندوب إليها أو عموم النوافل، فالصحيح أنه لا يصح اشتراك النوايا فيها –مع خلاف في المسألة– لكن القول الذي هو أظهر دليلا: أنه لا يصح اشتراك النوايا فيها.
فإن كان عليه قضاء، فالقضاء واجب، إن كان عليها صوم قضاء، فصوم القضاء واجب؛ فلا تدخل معه –مع نية القضاء– نوايا أن تتحرى صوم الاثنين والخميس، أو أن تتحرى صوم الست من شوال، أو أن تتحرى يوم عرفة، بل عليها أن تنوي صوم القضاء، الصوم الواجب عليها.
ومثل ذلك يقال فيمن كانت عليه كفارة، أو من كان عليه نذر، أو من كان عليه صوم لأنه لا يجد الهدي؛ فإنه يقصد أداء هذه العبادة؛ لأنها عبادة مأمور بها لذاتها، وهي مقصودة لذاتها، فلا يمكن أن تزاحمها نية أخرى؛ فمعنى أنها عبادة مقصودة لذاتها: أنه لا بد أن تقصد لذاتها، لا بد أن يستحضر المكلف فيها نية أداء هذه العبادة، فلا تزاحمها، لا يمكن أن تشترك معها نية أخرى ولا أن تزاحمها، وهذا مضطرد في كل العبادات التي هي من هذا النوع.
أبرز ما يمكن أن يمثل به هو الصيام، قضاء الصلوات أيضا من نفس هذا الباب؛ فإن ينوي القضاء قاصدا به القضاء، لا أن ينوي القضاء وأن يتنفل –على سبيل المثال– أو يؤدي شيئا من السنن المؤكدة، لا؛ هذه العبادات مقصودة لذاتها، فذمة المكلف مشغولة بأداء تلك العبادة ظاهرا وباطنا، الباطن المقصود به النية، القصد الذي يتوجه به إلى ربه تبارك وتعالى بأدائه لهذه العبادة.
وهذا هو الأغلب فيما يسأل عنه الناس، مع خلاف حتى في هذه الصورة، هناك خلاف، لكن الذي تقدّم هو القول الراجح الذي تشهد له الأدلة؛ لم نجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا في هدي أصحابه رضوان الله تعالى عليهم من بعده من كان يؤدي الفرائض وهو يستصحب نوايا أخرى، يشرك معها نية أداء مندوبات أو نوافل.
ما ورد من أن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو من أمهات المؤمنين أنهم كانوا يتحرون القضاء في بعض الأيام، فهذا لا يعني أنهم يشركون مع نية الواجب نية النفل، وإنما لأن ذلك أيسر لهم ولمصادفة تلك الأيام، هذا لا إشكال فيه: أن يريد أن يتحرى أن يصادف تلك الأيام فلا إشكال، لكن أن يظن أنه يؤدي فريضة ونافلة في وقت واحد، فهذا –كما تقدم– لا يصح.
ولذلك اختلفوا –هذه مسألة تترتب على هذا القول المتقدم–: أن قصد أنه يؤدي واجبا وعبادة مندوبا إليها أو نافلة، فكيف تقع؟ هل تجزي عن الاثنين؟ وهذا قول الأقل الذين يرون بأنه لا مانع –وقد قلت بأنه قول مرجوح– أو أنها تجزي عن الفريضة ولا ثواب للنافلة، أو العكس: هي بذلك تجزي عن النافلة ولا تجزي عن الفريضة أو عن الواجب؛ لأن الواجب أعلى شأنا فلا بد أن يقصد لذاته، أو أنها لا تجزي عن الجميع، وهذا قول ابن حزم، قول مشهور لابن حزم.
إذا هذا النوع الأول.
أما النوع الثاني –وقد ضربت له مثالا–: فهذا يمكن أن تشترك فيه النوايا، وفي الحقيقة من مثل: أن يدخل المسجد فيصلي –مثلا– سنة الزواج، وهو يقصد أن تكون تحية للمسجد، أو أن يغتسل المكلف للجنابة وللجمعة؛ لأن هذه العبادة منها ما هو مقصود لذاته، ومنها ما هو مقصود لغير ذاته: إما أن يكون للجمعة أو لرفع الحدث الأكبر؛ فهنا رخّص أكثر العلماء في مثل هذه الصور.
في الصدقة أيضا –مع وجود خلاف فيها حتى في هذه الصورة– يوجد الخلاف، لكن هذه مما يسمح به القياس والنظر؛ لأنه تشريك في نية لأعمال لا تقصد لذاتها، أو لوسائل يتوصل بها إلى مقاصد وغايات شرعية؛ فإما أن يكون لرفع الحدث الأكبر، أو أن يكون ذلك من سنن الجمعة، فهذا مما لا مانع منه.
يعني لا نتحدث عن أن يقصد بالفعل الواحد نوايا متعددة؛ يعني أن يقصد –على سبيل المثال– بدخوله المسجد أن يقصد الاعتكاف، وأداء ذكر الله تبارك وتعالى، والتمس العلم النافع، وأن يكون قدوة لغيره؛ وإنما نتحدث عن عبادات تتزاحم في نفس الوقت، يعني في نفس الوقت يؤدي –كما ذكرتِ– أنها تصوم القضاء في أيام –على سبيل المثال– الست من شوال، أو في أيام عشر ذي الحجة؛ فالصحيح هو ما تقدم.
… وقد ورد بالأمس سؤال: أن ينوي بالصدقة التي دفعها الزكاة، لا يمكن؛ لأن الزكاة واجبة، هذا مثال آخر حسن… لكن أن يقصد بزكاته –بعد الامتثال لأمر الله تبارك وتعالى– أن يقتدي به غيره، وأن يقصد بها يعني التكافل الاجتماعي، وأن يقصد بها معاني معتبرة مما أجازه الشارع، فلا بأس في ذلك؛ طالما أن هذه النوايا والمقاصد هي من مرضاة الله تبارك وتعالى ومن الإخلاص له جل وعلا، فلا حرج في ذلك، لكن لا يقصد بها عملا آخر مما أقرت هذه الشريعة؛ يريد أن يتصدق فهذا باب آخر، يريد أن يتنفل فهذا باب آخر.
والله تعالى أعلم.