⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [هود: 34]، فإن المقصود بـ﴿يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ هو: إن اقتضت سنته جل وعلا أن يكتب عليكم الغواية، وهي الفساد والضلال بكفركم، مجازاةً لكم على كفركم، وأن يحرمكم من رحمته عقوبةً لكم على عنادكم وتكبركم على نبيكم.
فما من شيء يقع في هذا الكون من خير أو من شر إلا ويقع بإرادة من الله تبارك وتعالى، وبعلمه وقدرته وإذنه، خلافًا لمن خالف من المعتزلة، مخالفين بذلك جمهور المسلمين في أن الشر لا يريده الله تبارك وتعالى، فالآية لا تدل على ذلك بوجه من الوجوه، وإنما تدل على أن ما بَلَغ إليه هؤلاء مع نبيهم بسبب عنادهم وإعراضهم وتكبرهم استحقوا به أن تُصرَف قلوبهم.
إذ إن النصح فيه طرفان: الناصح، وهو في هذه الآية الكريمة قد أدى ما أمره الله تبارك وتعالى به عليه الصلاة والسلام، وبلغهم رسالة ربه؛ والمنصوح، وهو المتلقي، فإذا كان هذا المتلقي للنصح غير قابل للنصيحة، بل هو معرض عنها ومتولي كِبْرَه عن قبولها، فإن هذا الإعراض هو سبب لحرمان الهدى ولحرمان رحمة الله تبارك وتعالى عنه.
هذا هو معنى الآية الكريمة.
ومنهم من قال: ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ أي أن يُهْلِكَكم، وحملوا هذا على لغة عند طيٍّ، يقولون: أصبح فلانٌ غاوِيَه، أو أصبح الرجل غاويًا إذا أصبح مريضًا، لأن معنى «غوي» عندهم: أصابه المرض والفساد، وحملوا على هذا هؤلاء الذين يقولون بأن المعنى في قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ أي أن يُهْلِكَكم.
وحملوا عليه قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59]، ولكن هذا المعنى الأَقل اعترض عليه كثير من المفسرين، وقالوا بأن معنى قوله جل وعلا: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ أي سوف يلقون عذابًا سببه الغي، فاكتفى بذكر السبب عن ذكر المسبَّب، أو ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ أي المقصود هو المعنى اللغوي: الفساد، وأبلغُ أنواع الفساد هي ما سيلاقيه هؤلاء أثرًا لما اكتسبته أيديهم في الحياة الدنيا.
فهذا هو معنى ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾، والمعنى الأول ظاهر، وهو قول جماهير المفسرين.
والله تعالى أعلم.