⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله و سلم علي نبينا محمد و علي آله و صحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك و انشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم وفهمنا ما لم نفهم واهدنا الى الطريق الأقوم إنك أنت الأعز الأكرم وأنت الرب وأنت الحكم.
أما بعد، فقد أكثرت طائفة من المفسرين في بيان معنى هذه الآية الكريمة، وأدخلوا فيها ما لا يليق بكلام الله عز وجل ولا بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه تبارك وتعالى، وتكلّف طائفة منهم أيضًا في صرف معنى هذه الآية الكريمة إلى ما لا يحتمله لفظها.
لنقرِّر أولا معناها الذي لا يخرج عن النسق العام لكتاب الله عز وجل الذي وصفه لنا ربنا جل وعلا حينما قال: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.
فإن من المعلوم أن أمنية كل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام أن يبلغوا دين الله تبارك وتعالى للناس بإيصال الهدى إليهم، وإقامة العدل، وبسط التوحيد، والدعوة إلى عبادة الله تبارك وتعالى، والدعوة إلى مكارم الأخلاق، وأن يتقبّل الناس دين الله عز وجل فيوحدوه ويعبدوه ويقيموا حياتهم على أسس من الأخلاق والفضائل والمكارم.
نعم، هذه هي أمنية كل نبي أو رسول بعثه الله تبارك وتعالى إلى قومه.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ هذه هي أمنيته، ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾؛ فإن الشيطان يلقي، أن يقذف، في الناس ما يصدهم عن قبول دين الله تبارك وتعالى، فيوسوس إليهم ما يخوّفهم من قبول الهدى والحق والنور الذي جاء به الأنبياء والمرسلون، ويبعث فيهم من الأوهام والخرافات ما يصرفهم عن آيات الله عز وجل، ويتوعدهم بزوال ما هم فيه من السلطة والمنزلة والمكانة، ويُنسيهم ما يؤولون إليه وما مرّ به من قبلهم.
نعم، هذا هو معنى هذه الآية الكريمة، وهو متّسق تماما مع السياق الذي وردت فيه ومع سياقات أخرى في كتاب الله عز وجل.
وأما ما يذكره بعضهم من قصة الغرانيق، فهذا محض افتراء، ولا يصح أن يوجد لا في كتب التفسير ولا في كتب سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام، لأنه مخترَع موضوع باطل مكذوب لا سندًا ولا متنًا يمكن أن يقبل فيُنسَب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل إن فيه مطعنًا في ذات الوحي الذي يبلّغه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس مما يوحيه إليه ربه تبارك وتعالى، فلا حاجة لنا إلى ذكرها لأنها مما ينبغي أن يُطمَس.
ويعني من بحث قليلا وجد هذه الرواية.
ومن العلماء من يرى أن معنى ﴿تَمَنَّى﴾: أي قرأ، وينسبون في ذلك بيتًا إلى حسان بن ثابت يرثي به عثمان بن عفان في مقتله، واختلفوا في عجز البيت، أي في شطره الثاني، ولذلك شكّك كثير من المحققين من المفسرين في صحة نسبة هذا البيت إلى حسان، وهذا يعني التشكيك أيضًا في حجيته.
نعم، مع أن عددًا من علماء اللغة، أي من علماء معاجم اللغة العربية، يذكرونه، ولكن حتى لو قيل به فإنه لا تعارض بينه وبين ما تقدم؛ فإن المقصود أنه ما يتلونه من كتاب أو من وحي أوحي إليهم إنما يدعو إلى الهدى والتوحيد وعبادة الله تبارك وتعالى وإلى المكارم والفضائل، فيلقي الشيطان ما يضاد هذا الذي يشتمل عليه الوحي الذي يبلّغونه إلى الناس.
نعم، لا ريب أنه يعترض على هذا أن النبي في التفريق بين النبي والرسول، والآية حجة في التمييز بين النبي والرسول، وإن كان هذا ليس محلّ حديثنا الآن، لكن الآن فيما يتعلق بتفسير أن ﴿تَمَنَّى﴾ بمعنى قرأ، أنه ليس النبي موحى إليه بكتاب، قد يكون مما يتلوه كتب من تقدّمه من الأنبياء أو ميراث النبوات السابقة يبلّغها إلى أقوامهم، لكن هذا يعكِّر على هذا المعنى، بالإضافة إلى ما تقدم من ضعف ثبوت نسبة هذا البيت إلى حسان بن ثابت.
نعم، وأغلب معاجم اللغة – حسبما علق بذهني الآن – عوّلت على بيت حسان في القول بأن «تمنى» تعني «قرأ»، نعم: «تمنى الكتاب» أي قرأ الكتاب، ولكن لا حاجة لنا أيضًا إلى هذا التكلُّف، لأن المعنى واضح، وهو متّفق، معنى ظاهر، وهو متّفق مع سياق الآية الكريمة ومع ما ورد في كتاب الله عز وجل.
والله تعالى أعلم.